فهرس الكتاب
هكذا أمور الاعتقاد الأخرى أيضًا يظهر التوسط فيها من غير شطط لا إلى ذات اليمين ولا إلى ذات اليسار، إذا تأملنا مثلًا الكلام في صفات الله وأسمائه نجد أيضًا أن الشرع وأهل السنة -والحمد لله- وسط في ذلك، إذا تأملنا مسائل القضاء والقدر أيضًا نجدهم وسط في ذلك، إذا انتقلنا إلى العبادات العملية أيضًا نجد وسطية الإسلام ظاهرة، فالقدر الواجب من الصلوات مثلًا هو قدر مناسب كافٍ لأن ينتزع الإنسان من اتباع هواه ليكون عبدًا لله -جل وعلا- ولا يقطعه عن العمل، ولا يقطعه عن النظر في شؤون حياته وتدبير أموره، فلا هو انقطاع للعبادة وتبتل لها تام، وليس فيها أيضًا جفوة، فلم تكن الصلاة عندنا مرة واحدة في الأسبوع كما يفعله النصارى الآن واليهود كذلك، وإنما هي خمس مرات في اليوم وفي أوقات متباعدة، وتجد أن هذه الأوقات تسمح لك بالعمل، وبالنوم، وبالأمور التي أنت بحاجة إليها، فهذا مظهر من مظاهر الوسطية، إذا أخذت الزكاة أيضًا تجد المقدار المطلوب فيها يسيرًا، وسهل على النفس دفعه، ولا يشق على الإنسان أن يدفعه، ولا يصيب ولا يرزأ ماله ولا ينقصه، إذا أخذت الحج أيضًا فتجده الواجب منه مرة واحدة والباقي تطوع، إذا أخذت الصوم تجد أنه مرة واحدة في السنة وشهرًا واحدًا في السنة، هذا هو القدر الواجب، ثم الصوم أيضًا تجده ليس عن كل شيء، وإنما عن الأكل والشرب والجماع، ليس صومًا عن الكلام ولا صومًا عن العمل، ولا انقطاعًا عن أمور الإنسان الأخرى التي لا بد منها.