فهرس الكتاب
أيضا مما يدل على ذلك هو دليل ظاهر وقوي أيضا ومحسوس، ما علم بالتجربة أن المصالح الدينية والدنيوية لا تستقيم مع الاسترسال في اتباع الهوى، إذا استرسل الإنسان في اتباع هواه ومشى وراء أغراضه؛ فإن مصالحه الدينية والدنيوية لا يمكن أن تستقيم، لما يترتب على ذلك من تعارض مصالحه مع مصالح غيره، وتعارض شهواته مع شهوات غيره، وهواه مع هوى غيره، وحينما نقول مصالحه نعني بها ما يظنه مصلحة هو، أو ما يميل إليه بطبعه وهواه، ولا نعني بهذا ما هو مصلحة شرعية حقيقية. فهذا يؤدي إلى التقاتل والتعارض والتهارج والهلاك بين الناس، والعقلاء جميعا يدركون خطر اتباع الهوى والشهوة بمقتضى عقولهم، لكن إدراكهم له ليس إدراكا كاملا، وليس إدراكا تفصيليا، وإنما هو إدراك إجمالي، فهم قبل ورود الشرائع يعرفون أن من اتخذ أو من اتبع هواه في كل أمر لا يمكن أن يعد من العقلاء، من اتبع شهوته كلما عرضت له لا يمكن أن يعد من العقلاء ولا يمكن أن يستمر أمره على استقامة، ولا على الرشد والصلاح. وإذا كان هذا بيِّنًا لدى العقلاء فلا يمكن أن يدعي أحد أن الشريعة جاءت على مقتضى الشهوات والأهواء والأغراض الخاصة للناس، وهذا يتضح لك في الواجبات والمحرمات؛ فإنها لم تجري على وفق الهوى والشهوة؛ يعني لو أن الشرع جاء على وفق هوى الناس وشهواتهم ما وجد شيئ محرم، ولا وجد ما هو واجب لماذا؟