الصفحة 1413 من 6458

نقول: الجواب عن هذا، أو طريقة الجمع بين الأمرين سهلة والحمد لله، فالشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد، لكن ليست المصالح كما يظنها الإنسان بمعزل عن الشرع، وإنما هي مصالح بحسب أمر الشارع وعلمه وتقديره الحقيقي الذي لا يمكن أن يخطئ وليس بأهواء الناس وشهواتهم، فعلم الله -جل وعلا- علم حقيقي لا يمكن أن يشوبه جهل، وهو يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن إذا كان كيف يكون، فالشريعة جاءت -نعم- لتحقيق المصالح ولكن بحسب أمر الشارع وعلى الصفة التي شرعها، وليس على مقتضى أهواء الناس وشهواتهم، ولو كانت الشريعة جاءت على وفق الشهوات والأهواء لما كان فيها أي تكليف فيه ثقل -كما ذكرنا سابقا- لم يكن فيها وجوب ولا تحريم أبدا، لو جاءت على شهوات الناس وعلى نزعاتهم وأهوائهم ما كان فيها تكليف أبدا؛ إذ الإنسان (أي إنسان) لا يمكن أن يشتهي أن يؤمر وينهى، يعني نفس الإنسان لا يمكن تتوق إلى أن يكون مأمورا ومنهيا ومقيدا بقيود وعليه قيود لا بد أن يلتزم بها، ما يميل إلى هذا، شهوة الإنسان وهواه ما يميل إلى هذا، وأنه يعاقب على الفعل أو يعاقب على الترك سواء في الأوامر أو النواهي، فالأوامر والنواهي جاءت إذن على خلاف شهوته، وأصل الشرع هو أمر ونهي.

فمصالح التكليف عائدة إلى المكلفين، ونيل تلك المصالح لا يحصل إلا بالطريق التي حددها الشرع؛ لأن الشرع هو الذي يعلم أين تكون المصلحة وما حدود هذه المصلحة.

وقد أشرنا هناك -يعني فيما سبق- أشرنا إلى القاعدة التي ذكرها المصنف -رحمه الله-: وهي أن: (المصالح المجتلبة شرعًا والمفاسد المستدفعة إنما هي بحيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا بحسب الشهوات والأهواء) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت