فهرس الكتاب
فإذن لا تعارض بين قولنا: إن الشريعة جاءت لمصالح العباد وتحقيقها وتكمليها، وبين قولنا هنا: إن الشريعة جاءت لإخراج الإنسان عن داعية الهوى؛ لأن داعية الهوى وإن كان في الظاهر قد يظن الإنسان أن هي مصلحته، وأن مصلحته في هذا، لكن قد يكون فيها هلاكه، قد يكون في اتباع ذلك هلاكه، إذا تقرر هذا فإن هذه القاعدة العظيمة وهذا المقصد العظيم ينبني عليه جملة من الفوائد منها:
أولا: أن كل عمل كان المتبع فيه الهوى بإطلاق من غير التفات إلى الأمر والنهي فهو باطل، أي عمل يعمله الإنسان ويكون الدافع إليه اتباع هواه وشهوته بإطلاق؛ يعني من غير أن يكون معه دافع آخر، وإنما الدافع له الوحيد هو اتباع شهوته وهواه فهذا العمل باطل، ولا يمكن أن يكون سببا للثواب ولا سببا لرضا الله، وليس دليلا على طاعة الإنسان لربه، حتى وإن كان في الأصل من الأعمال المشروعة، إذا كان الذي دفعه إليه هو الهوى والشهوة، وتحقيق الغرض الدنيوي، فهذا العمل لا يمكن أن يكون صحيحا ولا يثاب عليه.
ومما يؤيد هذا أحاديث كثيرة ونصوص كثيرة، قوله -عليه الصلاة والسلام-: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته لله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) .