فهرس الكتاب
وقد عرفتم سبب الحديث؛ ذلك الرجل الذي هاجر لكي يتزوج بامرأة، فأصل الهجرة وعمله مثل ما يعمل غيره من المهاجرين، ولكنه ما ذهب إلى هناك فرارا بدينه، وخوفا من أن يصرف عنه، وإنما ذهب لينكح امرأة ويتزوج، شيئا من متاع الدنيا. ويدل على ذلك أيضا الأحاديث الكثيرة ومنها ما ثبت في الصحيح: من (أن أول ما تسعر بهم النار ثلاثة منهم مثلًا رجل قاتل في صفوف المسلمين وأبلى، ولكنه لم يكن قتاله لأجل إعلاء كلمة الله، وإنما ليقال شجاع أو ليقال جريء فهذا يؤتى به يوم القيامة فيسأله الله ما فعلت؟ فيقول: يا ربي، قاتلت فيك حتى قتلت في سبيلك، فيقول له الله -جل وعلا- كذبت، إنما قاتلت ليقال جريء أو ليقال شجاع، وقد قيل) فكان الدافع له إلى هذا العمل هو أن يوصف بالشجاعة، ولم يكن الدافع له مرضاة الله -جل وعلا- وتنفيذ شرعه والائتمار بأمره.
(والثاني قرأ القرآن وحفظه وعلمه وأقرأه الناس) فيأتي ولكنه ما كان مخلصا في ذلك، ولم يكن عمله هذا لأجل الله -جل وعلا- وإنما كان لهدف دنيوي، ليرضي شهوة عنده، عنده شهوة المدح والثناء وهذه أغلب الناس يبتلى بها، إذا لم يدفعها عن نفسه -كما سيأتي في ثنايا الكلام إن شاء الله- فهذه ستوقعه في الرياء والعياذ بالله، فيقال له: إنما قرأت ليقال قارئ وقد قيل.
(والآخر ينفق ماله في أوجه الخير المختلفة) ولكنه لم يكن أيضا يقصد بذلك وجه الله، وإنما أنفقها ليقال كريم، أو ليقال جواد وقد قيل.
هذا إذن الذي يعمل العمل اتباعا لهواه، وما تميل إليه نفسه فقط من غير أن يكون له التفات إلى أمر الله -جل وعلا- فإن عمله باطل ولا ثواب عليه.