فهرس الكتاب
إذن الشرع ترك للمُكَلَّف الاختيار، فله أن يتكسب بالتجارة أو بالزراعة أو بغيرها من الحِرَف واكتفى بأن خلق فيه شهوة الطعام والشراب ليكتسب المال، كذلك وضع فيه خاصية التألم من الحر والبرد والآلام والجوع ليدفعه إلى أن يبحث عما يظله من الشمس، وما يمنعه من البرد، وما يحافظ على جسمه، فالإنسان بطبيعته ينساق إلى مثل هذه الأمور سواءً قيل إنها مقصودة للشرع أو ليست مقصودة، هي بطبيعة الحال سينساق إليها الإنسان بمقتضى طبعه، لكن هي في حقيقة الأمر مقصودة بقصد تبعي، فالقصد الأصلي هو أن تحافظ على حياتك ولا تصل بها إلى درجة الهلاك، لكن أنت أمامك خيارات في أن تصل إلى هذه النتيجة قد تكتفي بلقيمات يسيرة، قد تتوسع في المأكل والمشرب، قد تلبس الخشن من الثياب، قد تختار من الثياب ما هو أفضل وأغلى وأحسن، فهذه أمور متروكة للعبد، وبهذا نستطيع أن نقول: إن الضروريات الخمس التي مر ذكرها قبل يمكن أن نقول هي أيضًا منقسمة قسمين: منها ما يكون فيه حظ للمُكَلَّف عاجل مقصود، وهذا مثل قيامه بمصالح نفسه وأهله سواءً في الاقتيات، أو في المسكن، أو في المحافظة على النسل، أو على المال، أو ما أشبه ذلك هي مصلحتها ظاهرة بالنسبة له، فيدفعه إليها طبيعته وحاجته التي يحس بها من داخله، ومنها ما ليس فيه حظ للمُكَلَّف، يعني ما ليس فيه حظ ظاهر للمُكَلَّف فهذه هي التي تسمى مقاصد أصلية، يعني العبادات مثلًا، العبادات البدنية والمالية كلها الإنسان لا يميل إليها بأصل طبعه، لا يميل إليها وإنما يفعلها بمقتضى أمر الله وتنفيذًا لأمر الله -جل وعلا- ويقينًا بما ينفعه الله به -إن شاء الله- وما يدخره الله له من ثواب، أو يُعَجِّلُهُ له من ثواب في هذه الحياة الدنيا ولكنها كلها هذه أمور مغيبة ليست كالأمور المحسوسة، نتيجتها لا يحس بها الإنسان العادي، كما يحس بنتيجة الأكل حينما يأكل فإنه يشبع، حينما يشرب يرتوي ويذهب العطش، ما يحس بهذا.