الصفحة 1453 من 6458

والغزالي يذكر نصا في الإحياء يقول:"كل حظ من حظوظ الدنيا تستريح إليه النفس ويميل إليه القلب قل أو كثر إذا تطرق إلى العمل تكدر به صفوه". إلى أن يقول:"إنما الإخلاص -وهذا قد يكون موضع الإشكال- تخليص العمل عن هذه الشوائب كلها، قليلها وكثيرها حتى يُجَرَّد فيها قصدُ التقرب فلا يكون منه باعث سواه، إلى أن وصل إلى أن بعض الزهاد والعباد يرون أن العمل التعبدي بقصد أن ينال مثلا في الجنة النعيم المقيم الذي وصفه الله لنا من المأكل والمشرب والأنهار من عسل مصفى، وأنهار من لبن، وأنهار من خمر، وأنهار من غير آسن وغير ذلك، والقصور والحسناوات وغير ذلك... بعض العباد يقول: العابد إذا قصد هذا ضعف يقينه أو ضعف إخلاصه، وربما تجاوزوا في هذا وقال: إنه لا يرجو أو لا يخاف النار ولا يعمل لأجل الجنة، وهذا العمل حقيقة ليس بصواب، هذا الكلام ليس بصحيح؛ وذلك أن العبادة قسمان كما هو معروف:"

القسم الأول: العبادات المتقرب بها أصالة إلى الله -جل وعلا- كالإيمان وتوابعه وسائر العبادات، وهذه لتحقيق المصالح الأخروية كما هو معروف، والعادات الجارية على مصالح الدنيا وهي مقصودة بالتبع كما ذكرنا سابقا.

فالأولى: مشروعة لدرء المفاسد الأخروية، والثانية: مشروعة لدرء المفاسد الدنيوية، فمراعاة الحظ والرغبة الذي يتكلمون فيه ويقولون إنه يشوب الإخلاص، إما أن يكون مراعاة للحظ الدنيوي أو مراعاة للحظ الأخروي.

قد يقول إنسان إنه يقرأ هذه الأوراد ويواظب عليها حتى يحفظه الله ولا يصيبه مكروه لا في أهله ولا في بدنه ولا في ماله، فيكون هذا أيضا طلبا عاجلًا دنيويًّا ولكنه مرغوب له وهو يتقرب إلى الله بهذه العبادة ليتحقق له هذا المرغوب أو هذا الحظ الدنيوي، كذلك هو يتعبد بعبادات أخرى ليتحقق له الحظ الأخروي. فأي الأمرين تريدون!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت