فهرس الكتاب
فهنا تكون تابعة، ولكن هي أظهر في الحقيقة من الأولى، يعني ظهورها أظهر بكثير ويتسامح فيها أكثر، وابن العربي يرى أنه يتسامح فيها من الحالة الأولى، الحالة الأول: التي هي مجرد مراءاة الناس حتى يثنوا عليه أو حتى يمدحوه هذه خطيرة؛ لأنها قد تصل به إلى النفاق والعياذ بالله، وأما هذه فهي نية طلب العبادة بالإضافة إلى التجارة فيقول هذه لا عيب فيها، وذلك لأن العمل له جانبان، هذا حجة أيضا من الحجج أن العمل له جانبان: جانب تعبدي، وجانب عادي، فجانب العاديات: هو يريد أن يتكسب، والحج كان موسما للتكسب وما زال، والتكسب في أصله مشروع، وتكسبه لا يعكر على عبادته، ولا يخل بها، ولهذا الميزان السابق نستصحبه؛ إذا كان في علمه أو في تجارته لا يترك أركان حجه أو واجبات حجه من أجل تجارته فمعنى هذا دليل على أن الحج عنده هو الغرض الأصلي الرئيس وأن التجارة جاءت تبعا، وأما إذا كان العكس فإن هذا دليل على أن هدفه الأصلي هو التجارة، وهكذا فيما عدا ذلك.
أيضا من الأدلة التي يستدل بها ابن العربي يقول إن هجرة الأنبياء أكثرها هي فرار بأنفسهم وبدينهم خوفا من أعدائهم، فيحكى عن الله -جل وعلا- قوله عن الخليل مثلا: ? إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ?، قول موسى: ? فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ ?، هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- كذلك.
أيضا من الأدلة التي يستدل بها قول الرسول -عليه الصلاة والسلام-: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) ، فيقول هذا الرسول -عليه الصلاة والسلام- لما قالت عائشة: لماذا تكثر من الصلاة وأنت قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: (أفلا أكون عبدا شكورا!) ، وكان يقول: (حبب إلي من دنياكم ثلاث: النساء والطيب) ثم الثالثة (وجعلت قرة عيني في الصلاة) ، فالرسول يجد لذة، فهذه منفعة عاجلة للرسول -صلى الله عليه وسلم- منفعة دنيوية عاجلة للرسول في الصلاة ولم تكن مخلة بعبادته.