الصفحة 1464 من 6458

كذلك مما يدل على عموم الشريعة ما تقرر في ما سبق من كونها جاءت لجلب المصالح وتكثيرها وتكميلها ودفع المفاسد وتقليلها، فالناس كلهم محتاجون إلى هذا الأمر، بل هم مضطرون إليه، إلى تكثير مصالحهم وتكميلها ودرء المفاسد عنهم.

هذا الأصل العظيم إذا تقرر وعرفنا أن الشريعة جاءت عامة سنبني عليه أصولًا أخرى منها ما نص عليه علماء أصول الفقه واعتنوا به وهو يتعلق بفهم التشريع، ومنها ما يمكن إضافته مما لم يفرده علماء الأصول بالكلام، فمن هذه القواعد التي تتفرع على عموم الشريعة: أن الأصل في التكاليف الشرعية العموم، ومن يدعي خصوص هذا التكليف بأحد من الخلق هو الذي عليه أن يأتي بدليل، وبناءً على هذا قال الأصوليون:"إن كل ما ثبت أنه خطاب للنبي -صلى الله عليه وسلم- يكون خطابًا لأمته، وكل ما ثبت أنه خطاب للأمة يكون خطابًا للنبي -صلى الله عليه وسلم- إلا أن يدل دليل على خلاف ذلك"كل هذا متفرع عن عموم الشريعة، فالأصل في التشريع إذن العموم، ليس لأحد أن يدعي خصوصية النبي -صلى الله عليه وسلم- بشيء إلا بدليل، ولا أن يدعي خصوصية الأمة بشيء إلا بدليل، بل إن الأمر والنهي قد يوجه لواحد من الصحابة مثلًا يوجهه النبي -صلى الله عليه وسلم- لواحد من الصحابة، ثم يتفق علماء المسلمين على أن كل من كان حاله كحال هذا الصحابي يتوجه الأمر إليه؛ لأن الله ليس بينه وبين الناس نسب، ولا يجامل أحدًا، ولا يفضل أحدًا على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض أو لا لأحمر على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح) فلهذا يتقرر أصل عظيم يستفيد منه طالب العلم في النظر في التشريع؛ لأن كثيرًا من آيات الأمر والنهي تجد أنها هي نوع من الخطاب، فلا يقال إن هذا خطاب لأصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومن جاء بعدهم لا يشمله هذا الخطاب، أو أنه يخرج عن هذا الخطاب، وإنما كل ما ثبت أنه خطاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت