فهرس الكتاب
أما أدلة الخصوصية فلسنا معنيين الآن بتحديد كيف تعرف الخصوصية ومن أين يكتسبها؟ ومن أين يستنبطها الفقهاء؟ لأن هذا أمر يطول، لكن نحن ماضون الآن في تعداد القواعد المبنية على عموم الشريعة، فأول هذه القواعد -كما قلنا- أن الأصل في التكاليف العموم، سواءً ما وجِّهَ منها للنبي -صلى الله عليه وسلم- أو ما وجِّهَ للصحابة، أو ما وجِّهَ لواحد من الأمة فالأصل فيها العموم، والشاطبي -رحمه الله- يعبر عن هذا بقوله: ("إن الأصل في أدلة الشريعة العموم عامة جاءت أو خاصة") فقوله:"عامة جاءت أو خاصة"يعني أنها سواءً جاءت بصيغة العموم اللفظي، أو جاءت بصيغة الخصوص من حيث اللفظ، فقد يأتي اللفظ خاصًّا ولكن يُفهم عمومه من عموم الشريعة، فيتكأ على عموم الشريعة، ويستند إليها في تعميم الحكم وإن كان موجهًا لواحد من الأمة، يعني الحكم الذي جاء به النص لو نظرنا إلى لفظه نجده خاصًّا، ولكن إذا رجعنا إلى المعنى العام والقاعدة العامة والمقصد الأصلي من الشريعة وهو من مقاصد جلب المصالح ودرء المفاسد استنبطنا من هذا أن هذا الحكم وإن جاء بصيغة الخصوص لكنه عام.
أيضًا مما ينبني على هذا المقصد وهو مقصد العموم أن كل نص يأتي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- يمكن استفادة الحكم منه بطريق العموم، يعني عن طريق العموم المعنوي، وهو أن يأتي اللفظ خاصًّا في ذاته، ولكن معناه عام، وإما عن طريق القياس، فيفهم أيضًا من هذا الأصل تقرير ثبوت القياس، والرد على منكريه من الظاهرية وغيرهم، فهذا الأصل العظيم هذا المقصد العظيم مقصد عموم الشريعة يرد على منكري القياس؛ لأن منكري القياس سيقعون في إشكال عظيم إذا أنكروا القياس في أنهم سيجعلون التشريع خاصًّا لخصوص اللفظ الذي جاء به؛ لأنهم يتمسكون بالظاهر وباللفظ.