الصفحة 1479 من 6458

لكن يقول هناك أيضًا نوع متوسط يختلف العلماء فيه وقد يقول بعضهم بمنعه، وبعضهم بعدم منعه، وَمَثَّلَهُ ببيوع الآجال التي منع منها الإمام مالك؛ لأنها ذرائع إلى الربا، أما الدليل على سد الذرائع فهي كثيرة جدًّا، الأدلة على سد الذرائع وأنه من مقاصد الشريعة العظيمة كثيرة جدًّا، ومن أظهرها قوله تعالى: ?وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ? [الأنعام: 108] فنهاهم عن سب آلهة الكفار لئلا يؤدي ذلك إلى سب الله جل وعلا.

هذه المسألة الحقيقة مسألة سد الذرائع سمعنا في الآونة الأخيرة من يشدد النكير عليها ويقول إنكم ما تركتم لنا شيئًا، يعني ما لم يرد فيه نص حرمتموه بمقتضى هذه القاعدة فضيقتم على الناس وكذا، وهذا الحقيقة كلام غير واقع، وإنما دفعت إليه أو دُفِعَ إليه صاحبه بمقتضى حب التفلت من بعض الأحكام الشرعية، على أني لا أبرئ الجميع من الخطأ، فهناك من قد يخطئ من يستفتون، قد يخطئ مثلًا فيشدد في هذا الجانب، ويصل إلى مثل ما ذكرت لكم قبل قليل من مثال ذكره القرافي وهو مثال تحريم العنب، يعني قد يصل بعضهم إلى أن يُحَرِّم أشياء لأجل أنها يُحتمل أن تئول إلى مفسدة، والمستفتى والعالم والفقيه ينبغي أن يوازن وينظر إلى ما يترتب على الفعل من مفسدة، وما فيه من مصلحة، فقاعدة مثلًا: «درء المفاسد مُقَدَّم على جلب المصالح» أيضًا هي ليست على إطلاقها، يعني بعض الناس ربما ظن أن كل مفسدة تقدم على كل مصلحة، وهذا ليس بصحيح؛ لأن بعض المفاسد مغمورة في جانب هذه المصلحة العظيمة، لَمَّا تكون عندنا مصلحة عظيمة، وفيها شيء من المفاسد لكنها مفسدة مغمورة لا يُلتفت إلى هذه المفسدة، وإنما يكون الشيء مباحًا أو مأمورًا به نظرًا لمصلحته العامة، وحاجة الناس إليه، وإن كان قد يترتب عليه بعض المفاسد من جانب آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت