فهرس الكتاب
يشترط لصحة الكفالة أن تكون برضى الكفيل، وهذا ظاهر لأنه لا يلزمه الحق ابتداء إلا برضاه فكذلك أيضًا لا يلزمه بكفالة إلا برضاه، لكن هل يشترط رضا المكفول عنه أو لا يشترط؟ فمثلا نفترض أن إنسانا حبس في دين فأتى رجل وقال: أريد أن أكفل فلانا كفالة حضورية فهل يشترط لذلك أن يرضى بهذا المكفول عنه ويقبل، أو نقول: إنه ما يشترط، تريد أن تكفله فأنت محسن ولا حاجة لأن نبلغ المكفول عنه الآن؟ هذا محل خلاف بين العلماء، فمن الفقهاء من قال: إنه يشترط رضاه، ومنهم من قال: لا يشترط، والصحيح أنه يشترط رضاه؛ لأن المقصود من الكفالة هو إحضاره فلا بد من رضاه بذلك؛ ولأن الكفالة معروف وإحسان إليه فإذا كانت بغير رضاه لم تصبح معروفا ولا إحسانا؛ ولأن بعض الناس ربما يفضل البقاء في السجن على كفالة من يريد أن يمن بهذه الكفالة عليه، بعض الناس يريد أن يكفل فلانا ويعرف من المكفول عنه أن فلان هذا منان، إنسان يمن بهذا المعروف، فبعض الناس عنده عزة نفس يقول: أنا أبقى في السجن ولا أقبل بكفالة هذا المنان، والمن يبطل المعروف ويبطل الصدقة والله تعالى يقول: ? قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ? [البقرة: 263] تجد أن هذه الخصلة المن موجودة عند بعض الناس، ما يعمل معروفا إلا ويمتن به على صاحبه، وعند أدنى موقف بينهما يبدأ يذكره بهذا المعروف، وهذا في الحقيقة يبطل هذا المعروف، وإذا كان فيه صدقة فإنه يبطلها؛ ولهذا قال الله -عز وجل-: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى ? [البقرة: 264] فالمن هو أذية لهذا الفقير ولهذا يبطل أجر الصدقة، ولذلك قال بعض السلف: إذا رأيت أن سلامك على الفقير يؤذيه فلا تسلم عليه، إذا علمت لو أن سلامك على هذا الفقير فيه منة عليه، وعلمت بأنه يؤذيه فلا تسلم عليه، لهذه الدرجة.