فهرس الكتاب
من أنواع الصلح: الصلح على المجهول، وذلك إذا كان اثنان فأكثر بينهما معاملة، ولم يمكنهما معرفة الحق لكل واحد منهما على وجه دقيق، كأن يكون بينهما اشتراك في مؤسسة أو شركة أو بيع وشراء ولم يكن عندهما ضبط، وحصل بينهما خلاف في أمور مالية، فهنا يجوز أن يصطلحا فيما بينهما، فيتحريا الحق، ويصطلحا فيما بينهما، ثم يحلل كل منهما الآخر، وهذا الصلح قد يتعين في بعض الأحوال، لأن بعض الناس يكون بينه وبين صاحبه معاملة مالية، ولا تتضح فيها الأمور، يكون فيها لبس كبير، واختلاط في الأموال وفي الأوراق وفي المعاملة يعني بعض الناس يكون فوضويا ما عنده تنظيم، وليس عنده ضبط، فتختلط أموره مع صاحبه، فهنا ليس هناك طريق لحل هذا الإشكال إلا بالصلح، وهذا ما يسميه العلماء بالصلح على المجهول، فيصطلحا بعد التحري، يتحرى كل منهما حقه ثم يصطلحا ويحلل كل منهما الآخر، ويدل لذلك حديث أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: ( جاء رجلان من الأنصار يختصمان عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مواريث درست بينهما، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له بقطعة من نار فليأخذها أو ليدعها ) .
انظر لهذه الموعظة من النبي -صلى الله عليه وسلم- أثرت فيهما تأثيرًا بليغًا حتى بكيا، وكل واحد منهما قال: حقي لصاحبي، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أما إذا قلتما هذا فاذهبا فاقتسما ثم توخيا الحق ثم استهما ثم ليحلل كل منكما صاحبه ) .
فهذا الحديث أصل في صحة الصلح على المجهول، وفيه أيضًا من الفوائد أنه ينبغي للقاضي أن يعظ الخصوم، لأنه أحيانًا يكون الإنسان عنده غفلة، وبالموعظة يكون في هذا تنبيه له، فيبغي للقضاة إذا أتاهم الخصوم أن يعظوهم ويعرضوا عليهم الصلح أيضًا، إذا كان المجال يسوغ للصلح كما في هذه الحالة.