فهرس الكتاب
ولهذا قال الإمام أحمد في رواية الميمون قال: قد كنت أقول: إن طلاق السكران يجوز حتى تبينته فغلب علي أنه لا يجوز طلاقه لأنه لو أقر أو باع لم يجز بيعه. إذن هذا هو القول الذي رجع إليه الإمام أحمد وجاء في رواية أبي طالب أن الإمام أحمد قال: الذي لا يأمر بالطلاق إنما أتى خصلة واحدة وهو أنه أباحها لزوجها أو مطلقها والذي يفتي بالطلاق أتى خصلتين: حرمها عليه، وأحلها لغيره.
لكن الذي استقر عليه مذهبه وصرح برجوعه إليه: أن طلاق السكران لا يقع فمن قال إنه يقع قالوا إنه مكلف ومؤاخذ بجناياته وأيضا الطلاق عقوبة له على سكره كيف نقول إن غير السكران يقع طلاقه وهذا السكران الذي عصى الله لا يقع طلاقه؟
أما أصحاب القول الثاني الذين قالوا إنه لا يقع طلاق السكران فاستدلوا ذلك بأدلة منها أولا الآية الكريمة قول الله تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ? [النساء: 43] .
قالوا فجعل الله تعالى قول السكران غير معتبر؛ لأنه لا يعلم ما يقول وإذا كان لا يعلم ما يقول فقوله أشبه بالهذيان، وفي قصة ماعز أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن يُسْتنكه؛ أي: يُشم قال: (لعل به سكر) ، فأمر بأن يستنكه ليعتبر قوله الذي أقر به أو يلغى. فهذا دليل على أن قول السكران غير معتبر. وأيضا جاء في صحيح البخاري في قصة حمزة أنه عقر بعيرَيْ علي -رضي الله عنه- فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- فوقف عليه يلومه فصعَّد حمزةُ النظرَ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو سكران وكان ذلك قبل أن ينزل آيات تحريم الخمر فجعل النبي -عليه الصلاة والسلام- يلوم عمه حمزة كيف عقر بعيري علي؟ فقال حمزة: هل أنتم إلا عبيد لأبي؟! فنكث - أي: رجع - النبي -صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام- على عقبيه ولم يؤاخذه لأنه كان سكران كان ذلك قبل تحريم الخمر.