فهرس الكتاب
أولا: قالوا: إن العرب لا تعرف من لغتها أن تكون الثلاث ثلاثا إذا جمعت بكلمة واحدة، ولا تعقل من لغتها وقوع المرات إلا متوالية قالوا، ولذلك لو قال الزوج في اللعان: أشهد بالله أربع مرات إني لمن الصادقين؛ لعُدّ ذلك واحدة؛ فلابد أن يكرر اللفظ أربع مرات. ولو قالت الزوجة في اللعان: أشهد بالله أربع مرات إنه لمن الكاذبين؛ لعُدّ ذلك واحدة؛ فلابد من التكرار، وقالوا: لو قال إنسان: سبحان الله وبحمده مائة مرة؛ عُدّ ذلك واحدة. واستدلوا بأثر ابن عباس كان الطلاق في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة؛ فقال عمر: إن الناس قد تعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم؛ فأمضاه عليه.
والمقصود بهذا الأثر الطلاق الثلاث المجموع بكلمة واحدة. وإنما أمضاه عمر ثلاثا من باب السياسة الشرعية وليس أنه يريد تغيير الحكم الشرعي، وإنما اجتهد -رضي الله عنه- ورأى أن الناس قد تعجلوا وأراد أن يردعهم؛ فأمضاه عليهم ثلاث من باب السياسة الشرعية.
ولهذا قال ابن القيم -رحمه الله-: قول عمر -رضي الله عنه- لم يخالف ما ثبت عن نبيه -صلى الله عليه وسلم- ولما كان في عصر الخليفة الراشد أبي بكر وصدرا في أول عصره؛ بل رأى إلزامهم بالثلاث عقوبة لهم، وتابعه على ذلك أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-.
فعمر إنما فعل هذا من باب السياسة الشرعية لردع الناس؛ لأنه رأى الناس قد تعجلوا، لكن الصواب هو ما كان عليه الأمر في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام-، وفي عهد أبي بكر وهذا اجتهاد من عمر -رضي الله عنه- ولكن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يعتبر الثلاث واحدة بكلمة واحدة وأبو بكر كذلك؛ فإذن هذا هو القول الراجح في هذه المسألة أن طلاق الثلاث المجموع بكلمة واحدة يعتبر طلقة واحدة وإن نواه ثلاثا.