الصفحة 4485 من 6458

فالقول الثاني في المسألة أنه يقبل قوله ديانة، وحكما. وهذا رواية عن أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، واستدلوا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) . ولهذا فإن هذا القول أقرب؛ لأن الألفاظ إنما اعتبرت لكونها تعبر عما في القلب.

ونشير هنا إلى مسألة مهمة، وهي طلاق الهازل؛ أي الهازل الذي يكون غير جاد بأن يمازح زوجته، ونحو ذلك. فهل يقع طلاق الهازل؟ فلو أن رجلا قال لامرأته: أنت طالق، ثم قال: أنا -والله- أمزح، وما قصدت ذلك؛ فهل يقع طلاقها أم لا؟

نقول: نعم. طلاق الهازل يقع، ويدل على ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد؛ النكاح، والطلاق، والرجعة) . فذكر النبي -عليه الصلاة والسلام- من هذه الثلاث الطلاق، وهذا الحديث صحيح؛ أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه.

فهنا أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- أن الهزل في الطلاق كالجد فيه، ولذلك ذكر الفقهاء أن طلاق الهازل يقع، وقال ابن القيم -رحمه الله-: إن هذا هو قول الجمهور، وقال -موجها لهذا الرأي-: إن الهازل قاصد للقول مريد له، مع علمه بمعناه، وموجبه، وقصد المعنى المتضمن لمعنى الطلاق.

فحينئذ هو قاصد للمعنى، وقد نوى الطلاق، لكنه قال: أنا أردت المزاح، أو أردت الهزل، أو نحو ذلك.

ثم قال المؤلف: (فكنايته لا يقع به الطلاق إلا أن ينويه) .

كناية الطلاق هي: ما يحتمل معنى الطلاق، ويحتمل معنى آخر من الألفاظ. فهذا يسميه الفقهاء كناية الطلاق.

هل يقع الطلاق بألفاظ الكناية؟

نقول: لا يقع إلا إذا نوى الطلاق، أما إذا نوى معنى آخر؛ فلا يقع الطلاق.

إذن المرجع بالنسبة لكنايات الطلاق هو نية الزوج، بينما في صريح الطلاق الجمهور لا يرجعه لنيته بل يرجعه إلى لفظه. لكن في كناية الطلاق المرجع إلى نية الزوج؛ فلو نوى بكناية الطلاق طلاقا؛ وقع، وإلا؛ فلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت