فهرس الكتاب
بقي الإجابة عما ذُكِرَ من إجماع الصحابة، ما ذكر من إجماع الصحابة لو ثبت؛ لكان حجة. ولكن هذا غير صحيح، ليس هناك إجماع. بل إن الأثر الذي ذكروه عن زُرارة بن أبي أوفى لا يصح من جهة الإسناد؛ فقد أخرجه البيهقي وهو مرسل؛ لأن زرارة بن أبي أوفى لم يدرك الخلفاء الراشدين، وإذا كان لم يدركهم فيكون مرسلًا، والمرسل من أقسام الضعيف، وقد رواه الدارقطني مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بسند لا يصح، لكنه ثابت عن عمر وعن علي، يعني من قولهما من طرق أخرى، لكنه ثابت عن عمر وعن علي، وحينئذ تكون المسألة محل خلاف بين الصحابة، فعمر وعلي وزيد بن ثابت يرون بأن الخلوة تأخذ حكم الدخول، بينما ابن عباس وابن مسعود يرون أن الخلوة لا تأخذ حكم الدخول؛ فتكون المسألة إذن محل خلاف بين العلماء وليس فيها إجماع.
وقول الصحابي لا يكون حجة إذا اختلف الصحابة؛ لأنه ليس قول هذا الصحابي بأولى من الصحابي الآخر، خاصة وأن من خالف في هذه المسألة ابن مسعود وابن عباس، وقد فسر المسيس في الآية بالوطء، وهما من أعلم الصحابة بتفسير القرآن، وقد دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس بأن يفقهه الله في الدين، وأن يعلمه تأويل القرآن، وهو من أعلم الصحابة بالتأويل وبالتفسير، وكان ابن مسعود -رضي الله عنه- كذلك.
وحينئذ يكون الاستدلال بأثر زرارة بن أبي أوفى استدلالا فيه نظر؛ لأنه -كما قلنا- من جهة الإسناد لا يصح. ومما يؤيد أيضًا هذا: أن أصحاب القول الأول يقولون: لو أن الرجل عندما دخل بالمرأة لم يخلُ به، لاحظ أنه لم يخل بها وقبلها أو لمسها ولو لشهوة ثم طلقها؛ فلا عدة عليها، يعني مع أن هذا أيضًا منكر أنه يقبلها وإن كانت زوجته يقبلها أمام الناس لكن هذه مسألة مفترضة.
أصحاب القول الأول يقولون: لو أنه قبلها أو لمسها بلا خلوة فإنه لا عدة عليها، فأي المسألتين أولى بأن يقال لا عدة عليها؟ الرجل الذي خلا بها ولم يمسها لا بقبلة ولا بلمس؟