الصفحة 4819 من 6458

القسم الثاني: أن يكون الحالفُ ظالما؛ فهنا لا ينفعه تأويله، وهذا معنى قول المؤلف: (إلا أن يكون ظالما؛ فلا ينفعه تأويله) ، والدليل على ذلك هو قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يمينك على ما يصدقك به صاحبُك) ، ولو قيل بأن التأويل ينفع؛ لضاعت الحقوق، ولأدى ذلك إلى جحد الحقوق، فكل إنسان عند القاضي إذا طَلَبَ منه القاضي أن يحلف؛ فسوف يَتَأَوَّلُ في يمينه، ويكون التأويلُ وسيلةً إلى إبطالِ الحقوقِ.

إذن إذا كان الحالفُ ظالما؛ فإنه لا ينفعه تأويله؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يمينك على ما يصدقك به صاحبك) ، وفي الرواية الأخرى: (اليمين على نية المستحلِف) أخرجهما الإمام مسلم في صحيحه.

القسم الثالث: أن لا يكون ظالما، ولا مظلوما؛ فهل له أن يتأول؟!

نعم، لا بأس أن يتأول، وخاصة إذا احتاج إلى هذا التأويل، ويدل ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يمزح مع أصحابه، ولكنه لا يقول إلا حقًّا، وقد أُثر عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه مَزَحَ مع أصحابه في عدة أمور؛ لما قال للمرأة العجوز: (لا يدخل الجنة عجوزٌ) وكان يقصد أن أهل الجنة يكونون شبابا، وهي فهمت أن العجائز لا يدخلْن الجنة، فأراد النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يمازحها بهذا، وأيضا لما قال الرجل: (إني حاملُك على ولد الناقة) ، فكان -عليه الصلاة والسلام- يمزح، وهذا نوعٌ من التَّأوُّلِ، ولكنه لا يقول إلا حقًّا.

لكن لا ينبغي للإنسان أن يُكثرَ من التَّأوُّلِ. لماذا؟! لأنه يُساء به الظنُّ، وتهتز الثقة به، إذا كان الإنسان معروفا بكثرة التَّأوُّل تهتز الثقة به، ولا يصدقه الناس، يَتكلم بكلام ، ثم يقول الناس: لعله مُتَأَوِّلٌ في كلامه، هذا لعله يقصد كذا، لعله يقصد معنى آخر؛ فيصبح الناس لا يثقون به، ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يتأولَ إلا عند الحاجة، ولا يكثر من ذلك. لكن هل له أن يحلف على تأويله، وهو لم يكن ظالما، ولا مظلوما؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت