ومن هنا نعرف أن البحث هنا هو في التعديات التي موضعها البدن، سواء كانت هذه التعديات تذهب بالإنسان كلية، وهو ما يسمى أو ما يعرف في كلام الفقهاء بالجناية على النفس، أو كانت على ما دون النفس كالجناية على الأطراف، أو الجناية على البدن بأي نوع من التعديات التي توجب حقًّا للمجني عليه على الجاني، فهذا تعريف الجنايات، فالمراد بها التعدي على البدن بما يوجب قصاصًا أو مالًا، يعني بما يثبت به قصاص أو مال، هذا معناه في اللغة ومعناه في الاصطلاح.
حتى لا نغرق في خضم المسائل التي ذكرها المؤلف -رحمه الله- لا بد لطالب العلم أن يعتني دائمًا في دراسته في الأبواب الفقهية بربط هذه المسائل بالأصول الكلية التي تبنى عليها الشريعة، الشرائع كلها جاءت لحفظ الدين، لحفظ العقل، لحفظ العرض، لحفظ البدن، لحفظ المال، هذه هي المقاصد الكلية للشريعة، وهذه المقاصد لا تتخلف في باب من الأبواب بل هي في جميع الأبواب.
الجنايات موضوع يحقق الحفظ لأي نوع من أنواع مقاصد الشريعة؟
حفظ النفس، إذن هو يرتبط بحفظ النفس، ولذلك ينبغي ألا تنبتر هذه الأبواب الفقهية عن صلتها بالمقاصد الكلية؛ لأنه من غاب عنه المعنى الكلي لهذه الأبواب كالذي يفقد البوصلة في سيره، لا يدري على أي جهة يسير ولا إلى أي غاية يقصد، فمن المهم أن نربط بين هذه الأبواب الفقهية وبين أصولها وما تحققه من خدمة المقاصد الكلية للشريعة.
إذن الجنايات هي لحفظ الأنفس، ولو قال قائل: حفظ نفس مَنْ؟ نقول: حفظ النفس عمومًا، سواءً كانت نفس المجني عليه أو نفس الجاني؛ لأن الجاني إذا رُدِعَ بهذه العقوبات، كان ذلك حاجبًا له وحاجزًا له عن أن يهدر نفسه بالتعدي على الآخرين، فيوجب ذلك تعديًا على نفسه.