فهرس الكتاب
قال المصنف: (وبناء على اعتبار النية لا تصح العبادة من المجنون؛ لأنه ليس من أهل النية ولا عقوده إلى آخره) .
(وبناء على اعتبار النية) وهذا محل اتفاق فإن من لا نية له فلا يصح منه عقد ولا عمل ولا عبادة، من ذلك المجنون لأنه لا نية له، والله -عز وجل- يقول: ? وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ? [البقرة: 225] فما لم يكسب القلب فإنه في هذه الحال لا تبعة عليه في باب التكليف، أما باب ما يتعلق بما يسمونه الوضع وهو مثلا وجوب الزكاة أو وجوب ما يتعلق بالجنايات في وجوب الدية وما أشبه ذلك هذه لها أحكام أخرى لأنها ليست تتعلق بباب التكليف، فالمجنون لا تكليف عليه؛ ولهذا في الحديث الصحيح حديث علي -رضي الله عنه- وحديث عائشة أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يعقل وعن الصغير حتى يكبر وعن المجنون حتى يعقل) وفي لفظ (حتى يفيق ) وفي لفظ (عن المعتوه حتى يبر) كلها ألفاظ تدل على أن المجنون لا تكليف عليه، وهذا محل إجماع من أهل العلم؛ ولهذا لو وُلد إنسان من أول ولادته وهو لا عقل له مجنون سلب العقل فإنه لا تكليف عليه، وعلى هذا هو حكمه حكم أهل الإسلام مولود على الفطرة فإذا كان بين أبوين مسلمين فهو من أهل الجنة وحكمه ولو مات وهو ابن مائة سنة حكم من مات وهو طفل صغير في المهد، في باب الأحكام فيما يتعلق بالتكليف وأن أطفال المسلمين في الجنة، كذلك على الصحيح أيضًا أطفال الكفار الذين يموتون قبل البلوغ فإنهم أيضًا على الفطرة؛ لأنه لا تكليف عليه قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) فبين أنه لا تكليف لأنه لا نية له، لكن لا شك أنه يختلف الحكم فيما إذا كان قد شب ونما عقله هناك أحكام تأتيه، لكن حكم التكليف لا يثبت إلا بعد البلوغ، من باب أولى الجنون الذي لا عقل معه.