فهرس الكتاب
لكن إذا رجعنا لأصل الخلاف وهو بين المتواتر والآحاد وقوله إن الآحاد لا تفيد إلا الظن وكلام المعتزلة وهو الذي أشار إليه بعض الإخوة في أسئلتهم وموقفهم من أحاديث الأحكام وما إلى ذلك، أقول إن المعتزلة حينما أحدثوا مثل هذا التقسيم كان قصدهم بالدرجة الأساس العقائد، ولذلك لو نظرنا في الأصول الخمسة التي ذكرناها سابقًا نجد أنها تتعلق بالعقيدة، والأحكام هل يأخذون فيها بأحاديث الآحاد؟ أقول في الأعم الأغلب أنهم يأخذون بها، لكن المشكلة ما هي؟ المعتزلة أناس لم يكن فيهم فقيه ولا عالم ولا يهتمون بمسائل الأحكام، بل المعروف عنهم خفة الدين والطيش والسفه، حتى رافع بن أشرف لما رأى الناس يسرعون إلى المسجد يوم الجمعة قال كلمة نسأل الله السلامة، كلمة فظيعة، قال"ماذا فعل ذاك العربي بالناس؟"، من يقصد؟ يقصد النبي صلى الله عليه وسلم، عليه من الله ما يستحق، ولذلك بعضهم لما حُدث بحديث يرويه الأعمش عن أبي طلحة عن جابر أو عن أبي صالح عن أبي هريرة، بدأ يشكك ويقول لو حدثني بهذا الأعمش لكذبته، حتى قال ولو حدثني به النبي صلى الله عليه وسلم لما صدقته، ولو حدثنيه الرب لقلت ما على هذا أخذت ميثاقنا، معروفٌ عنهم -نسأل الله السلامة- خفة الدين وإعجابهم بعقولهم ومعارضتهم الأحاديث بهذه العقول التي شطحت عن الجادة وابتعدت عن الطريق السليم.
فليس فيهم علماء ولا يهتمون بأحاديث الأحكام وليس لهم فيها إلا مجرد التشكيك، من ينظر في كتاب ابن قتيبة"تأويل مختلف الحديث"يجد أن المعتزلة يأتون ببعض أحاديث الأحكام ويحاولون أن يثيروا الشكوك من خلالها، يقولون رويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول كذا ورويتم عنه أنه قال كذا فأحاديثكم متعارضة، فيبدأ ابن قتيبة في الرد عليهم وبيان أن هذه الأحاديث ليست متعارضة.