وكان هذا هو السائدَ في العصور الأولى إلى أن جاءت العصور المتأخرة جدًّا وبدأ هذا الانحدار الشديد في علاقة طلبة العلم ـ ولا أقول عوام المسلمين ـ بكتب الحديث الشريف فاحتاج العلماء إلى الاجتهاد في تيسير الأمر بتأليف كتب وإخراج مذكرات لتأخذ بيد الطالب لتعرفه كيف يصل إلى الحديث في مكانه المباشر فلو أنَّا رجعنا بذهننا إلى الماضي وحصل عندنا نوع من الطفرة أو الاهتمام بعلوم الرواية وحصل تحفيظ للطالب منذ الصغر لما احتجنا إلى دراسة هذه المادة لأنها ستكون في رأسه.
هذه لمحة عن هذا العلم إلا أنهم في القديم ما كانوا يحتاجون إلى دراسته وإنما الحاجة صارت ماسة إليه لبعد الناس عن كتب الحديث وكتب السنة.
(وبناء على هذا المعنى الثالث يمكننا أن نُعرِّف التخريج اصطلاحا بما يلي:
-تعريف التخريج اصطلاحا:
التخريج:هو الدلالة على موضع الحديث في مصادره الأصلية التي أخرجته بسنده، ثم بيان مرتبته عند الحاجة).
هذا التخريج الأصوب أن نسميه استخراجا؛ لأن هذا العلم الذي ندرسه ليس تخريجا.
التخريج مرحلة تالية، وقد تكون هي المرحلة الثانية بعد التي نحن فيها اليوم، وقد تكون مرحلة ثالثة؛ فالذي نحن فيه لا يقال عنه: تخريج بالمعنى الاصطلاحي؛ لأن النقاد المهتمين بالنقد الحديثي أو الأئمة المعاصرين الذين يفقهون هذا العلم ليسوا على هذا.
هذا الذي سنفعله ليس تخريجا، وإنما هو استخراج.
ما معنى الاستخراج؟
معناه: طلب التخريج، وأن أدلك على موضع الحديث في موطنه الأصلي. أما التخريج فباب آخر.
التخريج بالمعنى الاصطلاحي الذي يذكره العلماء والذي ويتربى عليه طالب العلم المتخصص في دراسة السنة: أن يجمع طرق الحديث من بطون الكتب كلها، ويجري بين هذه الأسانيد مقارنات فيقارن بين المتون ثم يدرس موطن العلة ومدى الاتفاق والاختلاف، ومواضع التفرد ومواضع النكارة، ثم يترجم للرواة وينظر في حال المختلف فيهم.