لماذا جرت عادة المصنفين أن يبتدئوا بكتب المعاملات بعد العبادات ؟ من يعرف لماذا جرت عادة المصنفين أن يبتدئوا أولا بكتب العبادات ثم يثنوا بالمعاملات ثم يثلثوا بالنكاح والطلاق وما يسمى بالأحوال الشخصية ثم يربعوا بعد ذلك بالكلام عن الأقضية والجنايات؟
لعل في ذلك إشارة إلى البدء بحق الله في العبادات ثم البدء بحق العباد في البيوع.
نعم أحسنت هذا كلام منطقي.
ذلك أن أول ما يتعين على المكلف علمه وعمله حق الله تبارك وتعالى بمعرفة ما أوجبه الله تعالى على عبده في عبادته؛ إذا العبادة غاية خلق الجن والإنس، والعبادة هي مفتاح دعوة كل الرسل؛ والعبادة هي أول ما يدعى الإنسان إليه في دين الله عز وجل قال جل من قائل: ? وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ? [الذاريات: 56] .
فإذا تعلم المكلف حق الله تبارك وتعالى فعرف كيف يؤدي العبادة على وجهها الصحيح وخرج مما لا يسعه أن يجهله من العبادات فقد توجه الطلب إلى المعاملات لماذا؟ -لماذا يتوجه الطلب إلى المعاملات؟
لاعتبارات:
الاعتبار الأول: أن التكاليف الشرعية عامتها يتعلق بالأبدان، والأبدان لا قوام لها إلا بالطعام والشراب والغذاء والدواء والأثاث والمسكن ونحو هذا.
ولا سبيل لأن يحصل الإنسان على ما يحتاجه من طعام وشراب ونحوه إلا بأن يشرع له وسيلة يحصل بها على ما في يد غيره . إذا كانت تعلقت بما في يد غيرك من الطعام أو الكساء أو الدواء وهو لا يبذل ذلك بسخاء وإنما يبذل ذلك بعوض يكون منك في مقابل ما تأخذ فإن ذلك يناسب أن يشرع البيع ، فالتكاليف الشرعية تتعلق إذن بالمعاملات التي بها قيام الأبدان.