الصفحة 4346 من 5336

استدل الأولون بالأحاديث التي فيها (لا يحل مال أمريء مسلم إلا بطيب نفس منه) فهذا المال مال هذا الإنسان -وهو جداره- لا يمكن أن يستغل أو ينتفع أن يرتفق به إلا إذا أذن، والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: (كل المسلم على المسلم حرام) وقال: (إن أموالكم ودمائكم -... إلى آخر الحديث- عليكم حرام) فالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بين حرمة وأنه لا يجوز انتهاكه أو الانتفاع به أو أخذه أو الارتفاق به إلا بإذنه، فهذه هي الأصول العامة التي ارتكن إليها الأئمة الثلاثة، وقالوا لو كان هذا واجبا لما أعرض عنها الصحابة؛ لأن أبا هريرة -رضي الله عنه- قال:"ما لي أراكم عنها معرضين"وما كان ينبغي له أن يواجه الصحابة بهذه العبارة ولما أطبقوا على الإعراض أو الامتناع كما قال ذلك الإمام النووي -رحمه الله تعالى-.

ثم استدل أصحاب القول الثاني بظاهر هذا الحديث، وظاهره يلزم الجار أن يتقبل غزر هذه الخشبة في جداره، ولأن أبا هريرة راوي هذا الحديث غلظ في المسألة وشدد فيها، وفهم الراوي مقدم على فهم غيره لماذا؟ لأنه أدرى بما روى، فأبو هريرة كلامه يشعر بالوجوب ذلك، وأن للحاكم أن يلزم بهذا الأمر، وأنه لا يجوز للجار أن يمتنع إذا كان في ذلك مصلحة لجاره ولم يكن عليه مضرة، ثم قالوا معنا أيضا أن مثل هذا الواقعة وقعت في عهد عمر -رضي الله تعالى عنه- فألزم بها كما روى ذلك مالك -رحمه الله تعالى- في موطئه أن الضحاك بن محمد سأل محمد بن مسلمة -رضي الله تعالى عنهما- أن يسوق خليجا له -أي من أرضه- يجري من خلاله الماء فكلم عمر -رضي الله تعالى عنه- محمد بن مسلمة في ذلك فأبى -أي وسط عمر ليتكلم مع محمد بن مسلمة في هذا فأبى وامتنع- فما كان من عمر إلا أن قال:"والله لا يمرن به ولو كان على بطنك"وفي هذا أيضا تغليظ من عمر -رضي الله تعالى عنه- وتعظيم لحق الجار على جاره ما لم يترتب على هذا ضرر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت