ثم المذهب الثالث مذهب القائلين بالكراهة وهم الحنابلة في مقدم مذهبهم والمالكية؛ فالحنابلة قالوا بكراهة التقاط مثل هذه اللقطة، لماذا؟ قالوا: لأن ابن عباس -رضي الله تعالى عنه-"لا ترفع اللقطة"نهى عن رفعها قال:"لا ترفع اللقطة، لست منها في شيء"ومثل هذا ينقل عن ابن عمر قال له رجل: لقد التقط لقطة فقال له"وما حملك على التقاطها؟"لماذا تلتقطها.
ثم إنهم قالوا: إن اللقطة يجب فيها حفظها وتعريفها، وعدم التقصير في بيان أحوالها وسؤال الناس عنها، فإذا قسط الإنسان كان خائنا لهذه الأمانة لأن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أخبر في هذا الحديث أنها وديعة عند هذا الإنسان، فيجب عليه أن يحفظها وهو ضامن لها إذا يعني تعدى أو قصر في حفظها، أما إذا لم يقصر فتلفت فيده يد أمانة ولا يضمن إلا بالتقصير في حفظها. إذن الحنابلة والمالكية مالوا إلى كراهة التقاط اللقطة من الصنف الثالث الذي ذكرناه.
نعود إلى حديثه -صلى الله عليه وآله وسلم- والذي فيه (أنه سئل عن لقطة الذهب أو الورق: فقال: -صلى الله عليه وآله وسلم-: اعرف وكاءها وعفاصه) ، والوكاء هو الخيط الذي تربط به، كأن تكون مثلًا في كيس، أو في حافظة، أو في شيء ما، ثم يربط هذا بخيط أو بحبل أو بشيء ما يحفظها. والعفاص هو الوعاء. فقال له: (اعرف وكاءها وعفاصه) لماذا يعرف وكاءها وعفاصها؟ حتى إذا جاءه من يدل عليها أو يستدل عليها يطلب منه ذكر صفاتها؛ يسأله هذا المال كان في كيسٍ، ما لونه؟ فيقول: أبيض مثلًا يقول له: من قماش أم من جلد؟ فيذكر الصفة ثم يقول له: كان هذا الكيس مربوطا بكذا أم بكذا، فيذكر الرجل ما يدل على أن هذا المال له عندئذ تدفع إليه .