أما من المعقول فإن العبد يحب أن ينتفع بماله في أخراه كما يحب أن ينتفع بماله في دنياه، وربما تطرق إلى الإنسان خوفٌ إذا هو أنفق ماله في حياته أن يفتقر، بل هو مأمور بألا يخرج من ماله بالكلية، ولو كان ذلك عن طريق الصدقة، وهو مأمور أيضا أن يبقي لورثته شيئا من المال، كما سيأتي معنا في الحديث الثالث في هذا الباب وهو (حديث سعد بن أبي وقاص، والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يأمره ألا يترك ذريته وأولاده من بعده عالة يتكففون الناس، بل عليه أن يتركهم أغنياء) ، والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: (ما عال من اقتصد) ، فالإنسان قد يخشى -وربما يكون قليل المال- لو أنفق هذا المال على ألا يقدر على جمع مثله، أو أن يحتاج إليه، أو أن تطول حياته فيحتاج إلى ماله فلا يتصدق به، وهو أيضا يريد أن ينتفع بماله بعد موته بأن يلحقه من ثواب هذا المال ومن بركته ومن خيره في قبره، فشرعت له الوصية، ولَمْ تشرع للمسلم فحسب، بل شرعت لجميع الخلق، فتجوز وتصح من جميع الخلق؛ المسلم وغيره لتحقيق هذا الغرض.
إذن إذا أنا أوصيت فإن مالي الذي أوصيت به لا يزال في ملكي، ولا يخرج عنه إلا بعد وفاتي، فلا يلزم عقد الوصية إلا بموتي، فأنتفع بموتي حال حياتي وأنتفع به بعد مماتي، فهذا يلبي حاجة الإنسان في انتفاعه بماله في الحالين، فتكثر -كما قلنا- في ميزان حسناته، وتزداد من الخير ومن البر درجاته، وتزدان صحيفة حسناته وصحيفة أعماله بهذا الخير وذلك البر.
انتهينا من هذا إلى أن الوصية مشروعة، وأنها -أيضا- مأمور بها في كتاب الله وفي سنة نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- والعقل يشهد بهذه المشروعية.
ننتقل بعد ذلك إلى الكلام عن أركان الوصية.
علمنا أن الوصية أمر بالتصرف بعد الموت، أو هي عبارة عن عقد يوجب حقا في ثلث مال العاقد، ويلزم هذا العقد بموته.
ما معنى يلزم العقد بموته؟