هذا هو الإيجاب، والإيجاب يقابله القبول، والقبول يكون من الموصى إليه، والموصى إليه متى يقبل قبوله؟ يقبل قبوله بعد موت من أوصى له؛ لأن وقت التمليك هو وقت انعقاد العقد على التحقيق، ووقت انعقاد العقد لا يكون إلا بعد موت من أوصى؛ ولِهَذَا أيضا تفصيل عند الفقهاء فمن الفقهاء من يقول: ولا بد في القبول أن يكون قوليا أو فعليا؛ قوليا كأن يقول: قبلت وصية فلان، وفعليا كأن يتصرف فيما أوصى به إليه تصرف الملاك، مثل أن يعرضه للبيع أو أن يسومه، أو أن ينتفع به أو أن يُؤْجِرَهُ، فهذا تصرف فِعْلِيّ يدل على قبوله هذه الوصية.
فالقبول ما صدر عن الموصَى له من قول أو فعل يعبر عن رضاه.
وهناك من يقول: هل يتصور أن إنسانا يوصي إلي بداره مثلًا أو يوصي إلي بمحل تجاري ولا أقبله؟
نعم، هذا وارد؛ فكثير من الناس يتعففون عن قبول الوصية؛ لأنه يرى أن في ذلك منةً يتقلدها لهذا الذي أوصى إليه، وهو لا يحب أن يتقلد مِنَّةً لأحد، فلا يقبل هذه الوصية، وربما يرفض لسبب آخر، كأن يوصي إليه مثلًا بدار لا يستطيع أن ينتفع بها إلا بنفقات كثيرة، كأن تكون متهدمة أو تحتاج إلى إصلاحات أو أشياء من هذا القبيل، فإذا أراد أن ينتفع بها أنفق أموالا كثيرة لا يملكها أو لا يريد أن ينفقها فيرفض هذه الوصية ولا يقبلها.
إذن يتصور أن يوصى إلى إنسان بوصية فلا يقبلها، كأن يوصي إنسان إلى آخر بمحل تجاري عليه ديون، هذه الديون لا يستطيع سدادها، وربما زادت على رأس مال هذا المحل التجاري، فهو عندئذ يكون متورطا في هذه الوصية ولا يكون منتفعا بها، إذن لا بد من القبول.
الجمهور يقولون: لا بد من قول أو فعل، والحنفية يقولون: يكفي عدم الرد، فعدم الرد قبول عندهم قبول عند الحنفية.
إذا أردنا أن ننتقل بعد هذا إلى الكلام إلى الركن الثاني من أركان عقد الوصية فإننا نقول:
الركن الثاني: الموصِي، من الموصِي؟
هو ذلك الذي يتبرع بماله؛ أي من ينشئ هذا العقد أو هذا التصرف.