قالوا -وهذا تفصيل عند الحنابلة-: إذا بلغ عشر سنين صحت وصيته، وقالوا -في قول آخر-: إذا راهق، يعني ناهز البلوغ وقاربه وشارفه فإنه تصح وصيته ولو لم يبلغ، واشترط بعض الشافعية أن تكون في وجه من وجوه الخير، ويستدلون على ذلك بأن صبيا من غسان أوصى لأخواله، فرفع أمره إلى عمر -رضي الله تعالى عنه- فأجاز هذه الوصية، قالوا: وهي قصة اشتهرت، فلم تنكر فكان ذلك أجماعا.
ثم قالوا: إننا إنما نمنع من إنفاقه لماله حال حياته مراعاة لمصلحته، وأما الوصية تكون مضافة إلى ما بعد موته فإنها لا حرج فيها؛ لأنها لا تنتقص من ماله حال حياته شيئا، وإنما تنتقص من المال عند احتياجه إليه بعد مماته، فهذا من مصلحته أن يكثر ثواب ماله، ثم إنها إذا كانت في حدود الثلث فلا حظر فيها، ولا حيف يقع فيها على ورثة ذلك الصبي.
وبهذا يكون مذهب المالكية والحنابلة ومن وافقهم من الشافعية هو الراجح في هذا المسألة.
الشرط الثالث: شرط الرشد، ويقصد بالرشد حسن التصرف في المال، أن يكون رشيدا أي أن يكون حسن التصرف في المال، وهذا إنما يتأتى بنضج العقل واكتماله، والاهتداء إلى أوجه النفع وأوجه الضرر في التصرفات كافة، ويقابل الرشيد السفيه، فالرشد ضده السفه، وضده الغفلة أيضا.
والجمهور يذهبون إلى صحة وصية السفيه، قالوا: لأنه لا ضرر عليه في ماله في حياته، ولا ضرر أيضا على ورثته بعد مماته؛ لأن هذا إنما يخرج من ثلث ماله، والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- رخص في ذلك، وخالف بعضُ الفقهاء من الحنفية في هذه المسألة؛ فاعتبروا أن السفيه إذا كان محجورا عليه فلا يجوز أن يتصرف في ماله؛ لأنه ممنوع هو والغافل الذي لا يحسن البيع ولا الشراء ولا يتنبه إلى ما فيه من الغبن أو ما يقع فيه من الخداع، قالوا: إن هذا وذاك ممنوعان من التبرعات محافظة على مالهما، والراجح الأول كما بينا.