قالوا: إنما قُدِّمَ اللعانُ في التسمية على المغاضبة مراعاةً للفظِ ومراعاةً للمعنى. فمراعاةً للفظ؛ لأنَّ اللعنَ يكون أولًا قبل الغضب؛ لأنه يُبدأُ بالرجلِ، فالرجلُ يشهد الشهادات الأربعَ ثم يأتي بالخامسةِ يقول فيها: إنَّ لعنةَ اللهِ عليه إن كان من الكاذبِين، ودائمًا جانبُ الرجل في هذه المسألة يكون أقوى؛ لأنه هو الذي يُلاعنُ المرأةَ، وَخُصَّتِ المرأةُ بلفظِ الغَضَبِ؛ لِعِظَمِ الذَّنْبِ في حقِّها، والذنب في حقها عظيمٌ؛ لأنه يَتَرَتَّبُ عليه ما لا يَتَرَتَّبُ بالنسبة للرجلِ، فالمرأةُ تكون بهذا مُتَسَبِّبَةً في تلويثِ فراشِ زوجِها، وفي اختلاط الأنسابِ، وفي انتشارِ الْمَحْرَمِيَّةِ بدونِ وجهِ حقٍّ، وفي حُصولِ التوارثِ بيْن هذا الذي يأتي من هذا السِّفَاح، وذلك الرجلِ الذي لا يَمُتُّ إليه بصلةٍ.
ثم إذا نَظَرْنا من جهةِ المعنى؛ وجدنا أنَّ اللعنَ هو طردٌ وإبعادٌ، فإنْ كانتِ اللعنةُ مِنَ اللهِ؛ فهي طردٌ وإبعادُ اللهِ -عز وجل- لهذا الذي وَقَعَ منه ذنبٌ بعينِه، أو هو -إذا كان بعبارةِ الرجلِ- طردٌ وإبعادٌ عن هذه الزَّوجيَّةِ، أو عن هذه العَلاقةِ التي قامت بينه وبين المرأةِ؛ لأنه يَتَرَتَّبُ على الملاعنةِ فُرْقَةٌ وبُعد بيْن هذا الرجل وبين تلك المرأة. فالفرقةُ التي لا اجتماع معها سُمِّيَتْ مُلاعَنَةً؛ لِمَا فيها من الافتراقِ والابتعادِ بين الرجلِ وبين تلك المرأةِ.
اللعانُ مشروعٌ؛ أي ثَبَتَتْ مشروعيتُه بالكتاب، والسنة، والإجماعِ الصحيحِ الْمُنْعَقِدِ.
فأما القرآن الكريم؛ فدليلُه قولُ الله -تعالى- من سورةِ النورِ.. نعم تفضل.