فهرس الكتاب
ولهذا كانت حكمة مشروعية هذا اللعان لدفع هذه المفسدة عن ذلك الإنسانِ الذي اطَّلَعَ -والعياذ بالله- على فاحشةٍ منْ أهلِه، وهو -في ذات الوقت- لا يستطيعُ أن يَنْطَلِقَ لِيأتيَ بشهودٍ يقول: هَلُمُّوا! اشهدوا ما وقع من زوجتي على فراشي!
لَمَّا كان ذلك كذلك؛ شُرِعَ اللعان تحقيقًا للمصلحة، ودفعًا للمفسدة، ولم يُجلد هذا الإنسانُ حدًّا لماذا؟ لأنه قامت هذه الأيمانُ الأربعُ مَقَامَ هؤلاءِ الشهودِ الأربعة، ولأن الرجل -غالبًا- لا يَشهدُ على امرأتِه بشيءٍ يُلَوِّثُ سمعتَه، فكان هذا سببًا دارئًا ودافعًا للحدِّ الذي يُضْرَبُه إن كان كاذبًا، أو إن لم يأتِ بالشهودِ على الصفةِ المشروعةِ أو بالعددِ المشروعِ.
إذن لأجلِ هذا شُرِعَ اللعانُ بيْن الزوجيْن عند قيامِ سَبَبِه، ثم إنه ليس بمجردِ أن يَقذفَ الرجلُ زوجتَه ويحلفَ هذه الأيمان تُحَدُّ زوجتُه، وإنما يَصيرُ الأمرُ إليها، فإن أَقَرَّتَ بذلك؛ أُقيم الحدُّ عليها، وإلا؛ فإنَّ لها أن تلاعنه، كيف؟ تشهدُ على نفسِها أربعَ شهاداتٍ مُؤَكَّدَاتٍ باليمينِ أنها ما زَنَتْ، ولا وَقَعَ ذلك منْها، ثم تأتي في الخامسة فتدعو على نفسِها بغضبِ الله -والغضب أشدُّ من اللعن- إنْ كان شيءٌ من هذا قد وَقَعَ منها، أو إن كانت -فيما قالت- كاذبةً في شهادتِها أو في دعواها. هذا هو ما يَظْهَرُ من حكمةِ مشروعيةِ الملاعنةِ بيْن الزوجين.
لكن لقائلٍ أن يقولَ: هذه حكمة المشروعيَّة، فما حكمه؟ وحين نتكلمُ عن حكمِه التكليفيِّ فإننا نَتَكَلَّمُ عنْ حكمه في حقِّ الرجلِ؛ لأنَّ الذي يُلاعِنُ هو الرجل، فإذا دخل الإنسان -والعياذ بالله تعالى- على امرأته فوجد معها رجلًا فماذا يفعل؟ هل يجب عليه أن يخبر بذلك وأن يلاعنها؟ وهل هذا الوجوب مطلق ومستمر في كل الحالات؟ وهل ينتقل الحكم من الوجوب إلى التحريم مثلًا؟ وهل ينتقل من التحريم إلى الكراهة؟ هذا ما ينبغي أن نتأمل فيه.