فهرس الكتاب
إذًا نرجع إلى قضية مهمة في هذه المسألة، وهي أن أهل الاختصاص وأهل الفن نفسه هم الذين يعول عليهم ويرجع إليهم في التعريف تأكيده أو نقده، فأهل الحديث هم الذين يقررون هل هذا الخبر متواتر أو غير متواتر؟ ولذلك رب حديث يكون متواترًا عند أهل الحديث ولا يكون متواترًا مثلا عند أهل الأصول، والسبب أن عند أهل الحديث من القدرة على النقد ومعرفة الطرق وسبر هذه الطرق ومعرفة ما يمكن أن يتطرق إليه الإعلال من عدمه ما ليس عند غيرهم من غير أهل الاختصاص ذاته، فإذًا التواتر أحيانًا يكون تواترًا نسبيًّا ليس عند الجميع، والتواتر النسبي هذا هو الذي يمكن أن يبرز ذاك الخلاف الذي وُجد عند بعض أهل العلم في بعض القضايا، فمثلا ذكرنا أحاديث الشفاعة، وقلنا إن أحاديث الشفاعة متواترة، لكن بعض من لم تعجبه هذه الأحاديث كالمعتزلة وغيرهم من المخالفين للسنة لا يرون أن أحاديث الشفاعة تصل إلى حد التواتر.
فالمُعَوَّل عليه إذًا هم أهل الاختصاص أهل الحديث ومن كان في حكمهم ممن سار على طريقتهم، مثل ما نقول إذًا عن الأطباء في هذا العصر، ما يمكن أن أقبل كلام إنسان تخصصه مثلا في الهندسة المدنية ويبدأ ينقض كلام الأطباء، أو يريد أن يأتي بقضايا في الطب ويتكلم عنها، بطبيعة الحال الكل لا يسلم له بالتدخل في هذا الاختصاص؛ لأنه خارجٌ عن اختصاصه، كذلك أيضًا نقول في مثل هذه القضايا إن المعول عليه في هذا هم أهل الحديث، وهذا هو الذي يؤكد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مثل هذه القضية.