فهرس الكتاب
نعود لما كنا فيه وهو أن أبي علي الجبّائي لا يقبل خبر الواحد، ولا يقبل الخبر إلا إذا جاء من طريقين فأكثر، لكن ما موقفه فيما لو كان هذا الخبر الذي جاء من طريقين أو أكثر يعارض أصلا من أصول المعتزلة الخمسة التي أشرنا إليها سابقًا؟ نقول هو يقول إنه خبر آحاد، وخبر الآحاد عندهم لا يفيد إلا الظن فلا يؤخذ به في القطعيات، ما القطعيات عندهم؟ هي العقائد، العقائد لا يؤخذ فيها إلا بقطعي، فإذا يمكن يقبل الخبر الذي جاء من طريقين فأكثر ما لم يصل إلى حد التواتر، يقبله فيما لا يرفضه عقله، يقبله مثلا ربما في باب الأحكام، لأنهم لا يهتمون بالأحكام كثيرًا، هم أناسٌ أهل كلام، ملئوا الدنيا بالضجيج، وأحدثوا من الفتن ما أحدثوا في عصر المأمون والمعتصم والواثق كما هو معروف تاريخيًّا، واضطهدوا أئمة أهل السنة كما حصل للإمام أحمد وغيره، رحم الله الجميع.
هذا بالنسبة لأبي علي الجبّائي، لكن المشكلة يا إخواننا أن هناك بعض الكلام الذي أُثر عن بعض أهل الحديث في هذا، أما أبو علي الجبّائي فليس من أهل الحديث ولا يعول على كلامه وإن نقل أو أشير إليه في هذا، إنما القضية فيمن قال هذا من أهل الحديث، الحافظ ابن حجر بين في بعض كتبه أن هذا الكلام أيضًا أُثر عن أبي عبد الله الحاكم، لكن المشكلة أن كلام الحاكم ما حرر تحريرًا جيدًا لا من قبله ولا من قبل من نقله عنه، لذلك له كلام نقله عنه الحازمي في كتاب"شروط الأئمة الخمسة"، وهذا الكلام الذي نقله الحازمي عن أبي عبد الله الحاكم مُشكل مع ما وجد في معرفة علوم الحديث وإن لم أيضًا يحرر هذا الكلام على كلا الناحيتين.