الصفحة 2 من 103

ولا يثبت دخول الشهر بغير هذين الأمرين إطلاقًا، ومن ادعى غير ذلك فعليه الدليل، وما يدعو إليه بعض المنتسبين للعلم من الاعتماد على الحساب أمر لا يقره شرع ولا عقل إذ الأمة الإسلامية من لدن مبعث نبيها محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا وهي تعتمد على الرؤية، ولم تعمل بالحساب اتباعًا للرسول الأكرم - صلى الله عليه وسلم -، الذي يقول في الحديث الصحيح الذي يرويه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا، يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين) (1) .

يقول ابن حجر تعليقًا على هذا الحديث المراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضًا إلا النزر اليسير، فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير، واستمر الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلًا، ويوضحه قوله في الحديث الماضي: (فإن غمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين) ، ولم يقل فسلوا أهل الحساب.

والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون فيرتفع الاختلاف والنزاع بينهم (2) .

وبهذا يتبين أن الله جل وعلا حدد دخول الشهر بإحدى علامتين ظاهرتين يعرفهما العامي والمتعلم، وهما رؤية الهلال أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا، فمن جاء بشيء غيرهما يزعم أنه يعلم به دخول الشهر غير ما بينه الشارع فقد حاد الله ورسوله، وأوقع الأمة في الحرج المرفوع عنها بنص القرآن: [وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ] (الحج:78) ، لأن معرفة الحساب لا يعلمها إلا خواص الناس، فكيف نطالب الأمة بمعرفتها ونوجب عليها ما لم يوجبه الله ولا رسوله، سبحانك هذا بهتان عظيم.

(1) رواه البخاري (ج3 ص35) ، مسلم (ج3 ص124) .

(2) فتح الباري (ج4 ص127) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت