الصفحة 51 من 103

وهذا تيسير من الله جل وعلا ورفع للحرج والمشقة التي تصاحب السفر عادة، لكن متى ما تعرض المريض أو المسافر للضر من الصيام فيجب عليهما الفطر، ولو صاما لكان صيامهما حينئذ إعراضًا عن الرخصة وهي هدية من الله جل وعلا يقدمها لعباده ليرتفقوا بها تخفيفًا عليهم، ومن أعرض عن رخصة الله تزمتًا كان عاصيًا لأنه يلقي بنفسه في التهلكة ويلزمها شيئًا ليس يلزمها في شرع ولا دين، والله جل وعلا يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تنتهك محارمه، ومن تمام رحمة الله سبحانه وتعالى أنه لم يقيد السفر أو المرض الذين يبيحان الفطر، بل أطلق ذلك ليكون الفيصل فيهما هو العرف، فما عده العرف سفرًا جاز فيه الفطر وحدُّه عند عامة أهل العلم ـ إحدى وثمانون ـ كيلو مترا، وما عده العرف مرضًا جاز فيه الفطر فلا يفطر بالصداع الخفيف، الارتفاع البسيط في درجة الحرارة أو وجع العين أو الضرس أو غيرهما مما لايسمى في عرف الناس مرضًا.

قال البخاري رحمه الله: (اعتللت بنيسابور علة خفيفة وذلك في شهر رمضان فعادني إسحاق بن راهوية في نفر من أصحابه، فقال لي: أفطرت يا أبا عبد الله؟ قلت: نعم، فقال: خشيت أن تضعف عن قبول الرخصة، فقلت: حدثنا عبد الله بن المبارك عن عبد الله بن جريج قال: قلت لعطاء من أي المرض أفطر؟ قال: من أي مرض كان كما قال تعالى: [فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا] (البقرة:184) .

قال البخاري رحمه الله: وهذا الحديث لم يكن عند إسحاق، أي أنه كان يرى هذا فهمًا من الآية واجتهادًا وقد تأيد بالحديث، فهي رخصة عظيمة لا يأباها إلا من يضع نفسه موضع المشرع الحكيم) (1) .

هل كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يصوم أو يفطر في السفر؟

ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه صام وأفطر في السفر حسب مقتضيات الأحوال وتغليبًا للمصلحة الراجحة.

(1) هكذا نصوم (ص227) ، ثلاثون درسًا للصائمين (ص28، 29) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت