وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والثوري والأوزاعي والليث وربيعة وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية [16] ، ودليلهم:
1 -قوله - عز وجل: {فصل لربك وانحر} [17] ، قيل في تفسيرها: صلّ صلاة العيد وانحر البدن، والأمر يفيد الوجوب.
2 -حديث أبي هريرة - رضي الله عنهم - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا" [18] .
وجه الدلالة من الحديث أنه قد خرج مخرج الوعيد على ترك الأضحية، والوعيد إنما يكون على ترك الواجب، مما يدل على أن الأضحية واجبة.
3 -قوله - صلى الله عليه وسلم:"من ذبح قبل الصلاة فليذبح شاة مكانها، ومن لم يكن يذبح فليذبح على اسم الله"متفق عليه [19] ، فلو لم تكن الأضحية واجبة لما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعادة الذبح لمن ذبح قبل الصلاة.
ونوقش هذا الاستدلال:
1 -أما الآية فهي محتملة لوجوب النحر يوم العيد، وتحتمل معنى آخر كوضع اليدين عند النحر في الصلاة، ولو سلم أن المقصود بالنحر الذبح فالآية تدل على وقت النحر لا وجوبه.
وقيل: المراد بالآية تخصيص الرب - سبحانه وتعالى - بالنحر له لا لغيره [20] .
2 -أما الحديث فقال عنه ابن قدامة: ضعفه أصحاب الحديث، ولو صح فيحمل على تأكيد الاستحباب كقوله - صلى الله عليه وسلم:"غسل الجمعة واجب على كل محتلم" [21] [22] .
3 -أما الحديث الآخر فلا يدل على وجوب الأضحية ابتداء، بل يدل على وجوب الأضحية إذا نوى أن يضحي وذبح قبل الصلاة فقد انقلب التطوع إلى فرض.
فبهذا يظهر رجحان مذهب الجمهور، ولأن التضحية لو كانت واجبة لم تسقط بفوات إلى غير بدل كالجمعة وسائر الواجبات، ووافقنا الحنفية على أنها إذا فاتت لا يجب قضاؤها، ولو كانت واجبة ما أجزأ أهل البيت أن يضحوا إلا عن كل إنسان بشاة وعن كل سبعة بجزور، ولكنها لما كانت غير واجبة كان الرجل إذا ضحى وقع ذلك عنه وعن أهل بيته. [23]
المسألة الثانية: هل الأفضل ذبح الأضحية أم التصدق بثمنها؟
ذبح الأضحية أفضل من الصدقة بقيمتها، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضحى وكذلك الخلفاء من بعده، ولو علموا أن الصدقة أفضل لعدلوا إليها، وروت عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من إراقة دم، وإنه ليؤتى يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفسا" [24] ، ولأن إيثار الصدقة على الأضحية يفضي إلى ترك السنة. [25]
المسألة الثالثة: هل يجب على من أراد الأضحية أن لا يأخذ من شعره وأظفاره شيئا؟
ورد في السنة المطهرة ما يدل على أنه ينبغي لمن أراد أن يضحي أن لايمس شيئا من شعره ولا أظفاره، من ذلك ما أخرجه مسلم عن أم سلمة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئا"وفي لفظ:"إذا دخل العشر وعنده أضحية يريد أن يضحي، فلا يأخذن شعرا ولا يقلمن ظفرا"، وفي لفظ:"إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره"، وفي لفظ:"من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي". [26]