الصفحة 7 من 34

وقد اختلف الفقهاء في حكم الأخذ من الشعر والأظفار لمن أراد التضحية على ثلاثة مذاهب:

المذهب الأول: لا يكره الأخذ.

وهو قول أبي حنيفة ومالك في رواية [27] ، ودليلهم: أنه لايحرم عليه الوطء واللباس فلا يكره له حلق الشعر وتقليم الأظفار كما لو لم يرد أن يضحي.

ونوقش هذا: بأنه قياس في مورد نص فلا يصح، لاسيما مع ثبوت النهي وظهور دلالته على التحريم، قال ابن القيم: إن تحريم النساء والطيب واللباس أمر يختص بالإحرام لا يتعلق بالتضحية، وأما تقليم الظفر وأخذ الشعر فإنه من تمام التعبد بالأضحية. [28]

المذهب الثاني: يكره الأخذ من الشعر والأظفار ولا يحرم.

وهو قول مالك والشافعي والقاضي أبي يعلى من الحنابلة [29] ، ودليلهم: حديث عائشة - رضي الله عنه:"كنت أفتل قلائد هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم يقلده ويبعث به ولا يحرم عليه شيء أحله الله حتى ينحر هديه"متفق عليه. [30]

قال النووي"قال الشافعي: البعث بالهدي أكثر من إرادة التضحية فدل على أنه لا يحرم ذلك، وحمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه". [31]

ونوقش هذا الاستدلال بما يلي:

1 -قال ابن القيم: أما حديث عائشة - رضي الله عنه - فهو إنما يدل على أن من بعث بهديه وأقام في أهله فإنه يقيم حلالا، ولا يكون محرما بإرسال الهدي، ردا على من قال من السلف: يكون بذلك محرما، ولهذا روت عائشة لما حكي لها هذا الحديث.

وحديث أم سلمة - رضي الله عنه - يدل على أن من أراد أن يضحي يمسك في العشر عن أخذ شعره وظفره خاصة، فأي منافاة بينهما؟

ولهذا كان الإمام أحمد وغيره يعمل بكلا الحديثين: هذا في موضعه وهذا في موضعه. [32]

2 -أن حديث عائشة عام وحديث أم سلمة - رضي الله عنه - خاص فيجب تقديم الخاص على العام، وينزل العام على ما عدا ما تناوله الحديث الخاص.

3 -أن عائشة - رضي الله عنه - إنما تعلم ظاهر ما يباشرها به أو يفعله ظاهرا من اللباس والطيب، وأما ما يفعله نادرا كقص الشعر وتقليم الظفر مما لا يفعل في الأيام العديدة إلا مرة، فهي لم تخبر بوقوعه منه - صلى الله عليه وسلم - في عشر ذي الحجة، وإنما قالت:"لم يحرم عليه شيء"وهذا غايته أن يكون شهادة على نفي، فلا يعارض حديث أم سلمة.

4 -أن عائشة تخبر عن فعله وأم سلمة تخبر عن قوله، والقول يقدم على الفعل لاحتمال أن يكون فعله خاصا به. [33]

المذهب الثالث: يحرم الأخذ من الشعر والأظفار.

وهو قول سعيد ين المسيب وربيعة واسحق والإمام أحمد وداود وبعض الشافعية [34] ، ودليلهم: ظاهر حديث أم سلمة المتقدم، حيث نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الأخذ من شعره وأظفاره والنهي يقتضي التحريم.

وهو المذهب الأظهر لقوة دليلهم وسلامته من المعارضة، قال ابن قدامة:"إذا ثبت هذا فإنه يترك قطع الشعر وتقليم الأظفار، فإن فعل استغفر الله تعالى ولا فدية عليه إجماعًا سواء فعله عمدا أو نسيانا". [35]

قال النووي:"والحكمة في النهي أن يبقى كامل الأجزاء ليعتق من النار" [36] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت