فهرس الكتاب
ويمكننا الآن أن نطرح السؤال التالي: ما هي الأسباب التي أدَّت إلى ظاهرة رفض الخدمة العسكرية: هل هو استيقاظ ضمير المجندين؟ أم خوفهم من الهلاك؟ أم أن السبب هو أزمة بنيوية حاقت بالتجمع الصهيوني؟ إن تمعنَّا في الأمر، سنجد أن الدافع وراء هذه الظاهرة ليس عنصرًا واحدًا، وإنما هو مركب من كل هذه الأسباب، ومن أهمها تصاعد معدلات العلمنة والأمركة والتوجه نحو اللذة، وهي اتجاهات تنامت في إسرائيل بعد عام 1967م وأدت إلى تحوُّل التجمُّع الصهيوني إلى مجتمع الثلاثة (الفيديو والفولفو والفيلا) ، وإلى ظهور (الروش قطان) ، أي المستوطن المتوجه نحو اللذة ذو الرأس الصغير والمعدة الكبيرة، الذي يجيد الاستهلاك ولا يؤمن بأية مثاليات أو إيديولوجيات، بما في ذلك الإيديولوجية الصهيونية. مثل هذا المواطن لا يعرف كيف يضحي من أجل وطنه وكرامته، فهو ملتف حول ذاته، يريد أن يزيد من معدلات استهلاكه ورفاهيته، وهو بالتالي ينصرف عن الخدمة العسكرية، ويفر منها.
ومن المعروف أن شارون طرح برنامج الحد الأقصى الصهيوني، الذي يلتزم بعدم التنازل عن غور الأردن أو إزالة المستوطنات، أو تقسيم القدس، أو عودة اللاجئين (معاريف 14/ 11/ 2001م) ، أي إن خريطته مختلفة تمامًا عن الخريطة الفلسطينية. ثم بدأ شارون بعد ذلك يتحدث عن بعث الروح القديمة: روح التقشف وتحمل المشقات التي تسم الرواد الصهاينة. وقال: إنه سيقود الإسرائيليين في حرب، بحيث يمكنهم دخول معركة تمتد لعدة سنين، بل وربما عشرات السنين يردون فيها الصاع صاعين للفلسطينيين.