الصفحة 56 من 120

ومع ذلك تظل ظاهرة الفرار من الخدمة العسكرية هي أهم الظواهر التي تهدِّد المؤسسة العسكرية. وحتى نعرف أبعادها الحقيقية، علينا أن نشير إلى واحد من أهم إنجازات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وهو نجاحها في إقناع المجندين بعدالة القضية الصهيونية، وأن إسرائيل هي وطنهم الوحيد (وليس الأرض التي تم اغتصابها من الفلسطينيين) ، وأن الجيش الإسرائيلي هو الذي يضمن لهم ولأهلهم ولشعبهم البقاء والأمن والطمأنينة. وبما أن حق البقاء حق إنساني مشروع أمكن للمؤسسة العسكرية أن تتوجه إلى حس المجندين الديني والخلقي والقومي، فمهمتهم القتالية لا تتناقض مع أنبل القيم الإنسانية، أي الدفاع عن النفس، وعن الأهل، وعن الوطن. خاصةً وأن الإعلام الإسرائيلي أقنع الجميع بأن الحروب التي تخوضها إسرائيل هي حروب دفاعية لا خيار للإسرائيليين فيها، فهي مفروضة عليهم فرضًا، من قوى خارجية شريرة عدوانية. ولذا كان الجيش الإسرائيلي الذي يضم الأراضي ويقتل الناس ويحرق الأخضر واليابس يسمَّى (جيش الدفاع الإسرائيلي) . كما ظهرت شعارات مثل (طهر السلاح) ، أي سلاح لا يُستخدم إلا في إطار أخلاقي محض، وليس إطارًا عسكريًا محضًا.

وفي هذا الإطار أصبحت الخدمة العسكرية وسامًا يُعلق على صدر المجندين، وجواز مرور لأعلى الوظائف ولعضوية النخبة السياسية (وهذا نمط متكرر في كل الجيوب الاستيطانية التي يستند بقاؤها واستمرارها بالضرورة إلى قوة السلاح) . وقد ساند كل هذا إطار إيديولوجي متماسك وانتصارات عسكرية باهرة (بأقل الخسائر) حتى عام 1967م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت