الصفحة 92 من 120

وقد كان هذا الاعتراف الصهيوني بشرعية المقاومة العربية للغزوة الصهيونية، وبطبيعتها القومية النبيلة مجرد إشراقة وقتية، لحظة صدق غابت وتوارت وراء سحب كثيفة من الأكاذيب النابعة من الأسطورة العنصرية الصهيونية، أساس وجود الصهاينة في فلسطين. وجوهر هذه الأسطورة هو إنكار تاريخ الفلسطينيين ووجودهم ذاته، وهكذا تحولت فلسطين في وجدانهم إلى صهيون التي توقف تاريخها تمامًا بسبب رحيل اليهود عنها. فخلت من السكان الأصليين، وإن حدث وكان هناك سكان أصليون، فهم حسب التصور الصهيوني قليلو العدد، متخلفون يفتقرون إلى الفنون والعلوم والمهارات المختلفة، يهملون الثروات الطبيعية الكامنة في الأرض. وهم عادةً مجرد رحالة لا يستقرون في أرض ما، وهم شعب لا تاريخ له، فأعضاؤه جزء لا يتجزأ من الطبيعة (كالثعالب والذئاب) ومن ثَم لا حقوق لهم، ويمكن إبادتهم إن ثبت أن ضررهم أكثر من نفعهم. وقد لخص (وايزمان) الصراع العربي الإسرائيلي بأنه (الصراع الأبدي بين الجمود من جهة، والتقدم والكفاءة والصحة والتعليم من جهة أخرى. إنها الصحراء ضد المدنية) .

وقد قام الاستعمار الغربي بدعم الصهاينة وزيَّن لهم الوهم بأنهم في وسعهم أن يغزوا الأرض الفلسطينية ويطردوا منها أهلها. ومع توالي التراجع العربي، اكتسبت الأسطورة الصهيونية حياة وقوة ومصداقية أمام المؤمنين بها. وتدريجيًا تحوَّلت فلسطين إلى (إرتس يسرائيل) في وجدانهم، فأصبح لهم - في تصوُّرهم - حقوقًا مطلقة فيها، ومن ثَمَّ فكل من يهاجمهم هو مجرد دخيل إرهابي يحاول أن يسلبهم حقوقهم، أما العرب فقد تحوَّلوا إلى مجرد أشياء يمكن تحريكها من مكان لآخر (كما يمكن بطبيعة الحال إبادتها) . تصدر لها الأوامر بالتحرك فتتحرك، ثم يصدر لها أوامر بالتوقف فتتوقف. فالفلسطينيون ليسوا كائنات حية، حياتها وطاقتها وحيويتها تتبع من داخلها، وإنما هم كائنات آلية يمكن تحريكها من الخارج، تمامًا كما يفعلون في مسرح العرائس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت