الصفحة 48 من 52

ولعل من مظاهر علم ابن سيده أنه كان كالفارسي صاحب فكرٍ شاملٍ لكل علوم العربية، فقد برع في اللغة والعروض والنحو وتمثّل كل ذلك في بحوثه إذ استعان بكل أدواته في مصنفاته، وقد عرف في نفسه هذه القدرات الشاملة فقال عن المخصص:"وقد ضمنّته مايدل على تقدمي في جميع أبواب الآداب كالنحو والعروض والقافية والنسب والعلم بالخبر إلى غير ذلك من العلوم الكلامية التي أبذّ بها المؤلفين وأشذُّ عن المصنفين" ( [101] ) . وقال في موضع آخر في الموضوع ذاته:"إني أجد علم اللغة أقلَّ بضائعي، وأيسر صنائعي إذا أضفته إلى ما أنا به من علم حقيق النحو وحوشي العروض وخفي القافية وتصوير الأشكال المنطقية والنظر في سائر العلوم الجدلية" ( [102] ) .

لقد كان ابن سيده ذا عقلٍ محيطٍ ونظرةٍ شمولية، ففي كتبه أحاديث طويلة عن البحور الخليلية والزحافات والعلل والضرورات الشعرية وقد فاق في هذا المضمار أبا علي ( [103] ) . إذ وظفها كلها في خدمة بحثه اللغوي إذا دعت إليها الحاجة، لأن علوم اللغة عنده كلّ متكامل يفضي بعضه إلى بعضه الآخر، ويوضح كل علم من هذه العلوم جانبًا من المنطوق اللفظي حتى تتضح صورة دراسته بجلاء. أما طريقة العرض التي كان يتبعها ابن سيده في تآليفه فهي أنه يشير أولًا إلى المادة المسموعة ثم يشرح المعنى اللغوي، فإذا وجد في المسألة اللغوية مايمكن الحديث عنه نحويًا أشبع ذلك بحثًا ودراسة فإن كان في الموروث النحوي خلافات في المسألة التي أوردها ونقل ما قيل في الرد عليها متبعًا طريقة أبي علي في أسلوب الفنقلة ( [104] ) ، وإيراد الاعتراضات، ثم شفع كل تلك الاعتراضات بالحجج المناسبة وقارع الدليل بالدليل، والقول بالقول، حتى يستطيع تبيين صحة الوجه الذي ارتضاه ( [105] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت