فما الذي يحول دون إعادة عرض منهج المحدثين في النقد مع تلافي أوجه القصور السالفة التي تعرضنا لها؟! قد تكون محاولة جديدة ليس غير، تسْري عليها كل مُسَوِّغات النقد والذم والعيب، لكنها ستظل محاولة جديرة بالإقدام حرية أن يجترأ على امتحانها.
علم الحديث وعلم التاريخ
إن التاريخ كعلم مستقل لم يحظ بالاعتراف التام إلا في الأزمنة الحديثة جدا كما يقول روزنتال، واعتبر أن تصنيف العلوم عند الإغريق والمسلمين وعند الأوروبيين في العصور الوسطى يشترك في اتجاه واحد هو: عدم استقلالية علم التاريخ.
ويرى أيضا أن عدم استقلالية علم التاريخ عند العرب منشؤه اعتمادهم على تصنيف العلوم في العصر الهلليني والذي لم يحط للتاريخ مكانا خاصا، فسرت هذه النظرة إلى العرب من هذا الاقتباس.
لكن أدنى تأمل لمنهج تصنيف العلوم عند الحضارتين اليونانية والإسلامية سيعطينا نتيجة حاسمة: أن التأثر لم يحدث.
إن الحضارة اليونانية تصنف التاريخ في زمرة المعارف الإنسانية، وهو يندرج - بحكم تصنيف الكثير من فلاسفتهم - تحت إطار الفلسفة العام الذي استوعب كل العلوم في تلك العصور. [1]
أما في الحضارة الإسلامية فإن التاريخ علم نشأ في محيط حملة الشرع من المحدثين والفقهاء الذين كانوا في عداء صارم مع الزحف الفلسفي اليوناني على المحيط الإسلامي.
لقد استعرض روزنتال تاريخ تصنيف العلوم منذ الكندي ومرورا بابن سينا وابن عبد البر وابن بدرون وابن الأكفاني والذهبي ورسائل إخوان الصفا وانتهاء بابن خلدون، واستنتج أن كل هؤلاء بما فيهم ابن خلدون لم يشيروا إلى استقلال علم التاريخ لأن كتبهم لم تدخل صنعة التاريخ من ضمن المنتجات العقلية المستقلة. [2]
(1) - مدخل جديد إلى الفلسفة. عبد الرحمان بدوي حث ط وكالة المطبوعات بالكويت 1975
(2) - علم التاريخ عند المسلمين. فرانز روزنتال. ترجمة صالح أحمد العلي ص46.