يقول السخاوي:"شروط المؤرخ. وأما شرط المعتبر به -أي بالتاريخ- فالعدالة مع الضبط التام الناشئ عن مزيد الإتقان والتحري، سيما فيما يراه في كلام كثير من جهلة المعتنين بسير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد قال الخطيب في جامعه: ويجمعون"أي أهل الحديث أيضا ما روي عن سلف المسلمين من أخبار الأمم المتقدمين وأقاصيص الأنباء وسيرهم"والذي نستحبه ألا يتعرض لجمع شيء من ذلك إلا بعد الفراغ من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. [1] "
وهذا النص الجلي من كلام الخطيب البغدادي"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع"وهو من علماء القرن الخامس الهجري، والسخاوي وهو من علماء القرن التاسع الهجري، دليل على أن علم التاريخ وعلم الحديث كانا شأنا واحدا يتناوله المحدث.
لقد كان التاريخ شأنا"حديثيا"محضا لا يقوم به إلا مشاهير المحدثين، وبمطالعة عابرة - غير متكلفة ولا استثنائية - لقائمة أعلام المؤرخين التي استعرضها المستشرقون أمثال مرغليوث في"دراساته عن المؤرخين العرب"وروزنتال في"علم التاريخ عند المسلمين"ثم الباحثون المسلمون أمثال حسين نصار [2] ومحمد عبد الغني حسن [3] وشاكر مصطفى [4] سنجد أن معظمهم - أي المؤرخين - إن لم يكن كلهم محدثون جهابذة ، بل إن العلامات المضيئة في تاريخ المؤرخين المسلمين لم تكن سوى نماذج واضحة لأئمة الحديث في تلك العصور مثل محمد بن إسحاق والطبري والخطيب البغدادي وابن عساكر وابن الجوزي والذهبي وابن حجر والسخاوي.
(1) - الإعلان بالتوبيخ للسخاوي ص482 (المطبوع مع كتاب روزنتال) .
(2) - في كتابه:"نشأة التدوين التاريخي عند العرب".
(3) - في كتابه:"علم التاريخ عند العرب"
(4) - في كتابه:"التاريخ العربي والمؤرخون"