ويقول السخاوي في الإعلان - أيضا -:"وكان مما قلته في مقدمة"التبر": علم التاريخ من فنون الحديث النبوي وزين تقربه العيون ... إلى أن قال: وبهذا صرح غير واحد من علماء المذاهب أولي الأمانات بأنه من فروض الكفايات" [1] .
ويقول أيضا:"فائدتان: الأولى: قال العز بن جماعة: ومما يشكل ويحتاج إليه معرفة التفرقة بين علم التاريخ وعلم الطبقات ومعرفة الافتراق بين موضوعهما وغايتهما، قال: والحق عندي انهما بحسب الذات يرجعان إلى شيء واحد وبحسب الاعتبار يتحقق ما بينهما للتغاير، قلت - أي السخاوي-: بينهما عموم وخصوص وجهي، فيجتمعان في التعريف بالرواة وينفرد التاريخ بالحوادث والطبقات". [2]
واضح من هذا الكلام التسليم بأن علم الطبقات من التاريخ، ومعلوم أن علم الطبقات من فنون الحديث بإجماع.
وفي المقابل نرى بعض الباحثين لا يعترف بكيان لعلم التاريخ أصلا عند المسلمين، ويقرر"أن التاريخ فاعلية تنتج معرفة توظف في أطر شتى من حديث وفقه وتفسير وتصوف ووعظ، ولكنها معرفة تنتج من أصول ليست خاصة بهذه الفاعلية فأصول التاريخ ليست من التاريخ بل هي من خارجه فهي من مفهوم الخبر". [3]
ويبدوا أن مثل أولئك الباحثين يظنون التاريخ عند المسلمين مجرد قصص من أمثال ما في"ألف ليلة وليلة"أو"الأغاني"أو ما احتطبه الرواة بليل في ثنايا كتب التاريخ، وأن العلوم الأخرى ما كانت تصنع شيئا إلى انتقاء ما طاب لها من أخبار تناسبها، كما يبدو أيضا أن أولئك الباحثين يصدرون في الحقيقة من منطلقات معرفية وحضارية معاصرة ولا أقول حديثة يحاكمون بها مناهج علمية نشأت ونمت منذ أكثر من ألف عام.
(1) - الإعلان بالتوبيخ للسخاوي ص61 تحقيق محمد الخشت.
(2) - السابق ص62
(3) - الكتابة التاريخية والمعرفة التاريخية (مقدمة في أصول صناعة التاريخ العربي) . عزيز العظمة ص14