... استخلف الله تعالى الإنسان على الأرض بذلك الاستعداد الفطرى لمعرفته سبحانه ومعرفة جليل صنعه والإقرار بربوبيته وألوهيته.. هذا الاستعداد كان عهدا من الله تعالى لآدم.. عهد تكوين وفطرة.. وإذا كان هذا العهد قد بثت خصائصه وقواه ابتداء، فقد انتقلت إلينا - نحن بنو آدم - بطريق الوراثة تلك الخصائص والقوى، فكانت هى التأهيل الأزلى الذى أعلن عنه عهد الربوبية، إذ قال الله تعالى (( ألست بربكم ؟ قالوا: بلى ) ) (1) . وبهذا العهد كانت للإنسانية كافة - آدم وبنيه - صلاحيتها لتلقى وحى الله، وحمل ما في كلامه ورسالته من أمر ونهى وحلال وحرام وعقيدة وشريعة.. ولهذا اجتمعت لهذا العهد مزايا العهد العام0
... وما ينزل الله من عهد للناس، أى من شرع يأمرهم فيه وينهاهم، لا ينابذ أحكام هذه الفطرة بل يوافقها ويزكيها.. ولو خلا الإنسان إلى فطرته لاستقام على عهد الله واختار ما يتضمن من مثل عليا.. ولكن تلك الفطرة عورضت بما في جانب الإنسان الحسى من قوى وميول، هى التى يسمونها الغرائز.. أو بعبارة أصح عورضت بقابلية هذه الغرائز للانحراف عن هداية الفطرة بما يزين لها الشيطان من غرور وأهداف لا حقيقة لها، فضلت وجحدت وتحولت من عهد الله إلى ما أراد لها - الشيطان- من معصية 00 ولكن كيف وقعت المعصية؟ وكيف شرد الإنسان عن منهج الله وعهده له ؟
(1) سورة الأعراف: 172