الصفحة 62 من 255

هذا مثل أحببت أن أتقدم به لدحض هذه الشبهة: شبهة صعوبة تطبيق الشريعة الإسلامية، وأخرت لذلك أعقد المسائل وألصقها ,امسها بحياة الناس حتى لا يكون هناك قول لقائل، ولا حجة لمعتذر0

ثالثًا: ويقولون إننا حين نطبق هذه الشرائع الإسلامية في قطع يد السابق (1)

(1) إن القوانين الوضعية لا تستقصى حالة السارق وقت السرقة، ولا تستقصى أثر الحكم فيه وفى أهله وولده، بل تعاقبه مطلقا، جاهلا أم عالما، فقيرا أم غنيا، بل ربما كان علمه وغناه من أسباب تخفيف العقوبة عليه لا من أسباب تغليط العقاب. والأمر ليس كذلك في دين الله 0

إن الله عز وجل أراد ان تنشأ العفة من داخل النفس أولا، فينصرف الإنسان عن المعاصى وهو في خلوته لا يطلع عليه أحد من الناس، ويشعر بأن ربه معه أينما كان، مطلع على أعماله، لا تخفى عليه منه خافية: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هور رابعهم، ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا، ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة، إن الله بكل شىء عليم) 0

وقد ذكر الله تعالى عقاب السرقة مرة واحدة، ولكنه كرر النهى عن أكل أموال الناس بالباطل، وصوره في صورة مؤثرة ترد من تحدثه نفسه بأن يمد يده إلى مال غيره، دون حاجة إلى التخويف بالعقاب الدنيوى: (( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارًا، وسيصلون سعيرا) ، (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وانتم تعلمون) . وفى الحديث عن الرسول عليه السلام: (( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام ) )

تأمل قول الله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل المؤمنين نو له ما تولى، ونصله جهنم وساءت مصيرا ) 0

تأمل: (من بعد ما تبين له الهدى) أعنى أنه يجب أن تبلغ الدعوة إلى السارق، ويتهذب بالتهذيب القرآنى، ويعرف ماله وما عليه. مما يتعين معه القول بأن التعليم في الإسلام إجبارى، وواجب على الفرد، وحق له في الوقت نفسه.

فإحياء روح الإنسان وضميره، وتزكية نفسه، وتطهير قلبه واجب أول في الإسلام، عليه أكثر المعول في أن يسلك الإنسان سلوكا حسنا في الجماعة التى يعيش فيها. وإذا كنا ندرك أثر التعليم العادى في نفوس الناس، فما بالنا بتعليم القرآن الذى هو أساس لكل الفضائل0

ولكن لا يكفى أن تهذب الشخص، وتطهر قلبه، وتزكى نفسه، وتحي ضميره لكى يكون إنسانًا فاضلًا، فإن حاجاتته الضرورية التى بها وقاية نفسه تغلبه على الفضائل أحيانا، لذلك قضى أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين بأن يوجد في الدين من التنظيم ما تندفع به حاجة الإنسان إلى السرقة. وبمعنى آخر لابد من أن نتأكد قبل أن نعاقب إنسانا أن عذره في ارتكاب جنايته قد سقط، وأنه لم يرتكبها إلا بغيا وعدوانا. وحاجات الإنسان الضرورية هى:

بيت يسكنه يواريه عن أعين الناس، ويجعله في أمن العادين والباغين0

طعام يحفظ به نفسه0

ملبس للصيف والشتاء0

وأقول: إن الآيات والأحاديث التى أخذ منها الفقهاء النص على هذه الأشياء الثلاثة تستوجب القول بأنه يجب أن يكون مضمونا لكل إنسان العلاج المجانى من الأمراض متى لم يكن قادرا عليه0

هذه الضرورات لا يحصل عليها امرؤ بالاستجداء، بل لابد من العمل، ودينه يحضه على ذلك: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله) 0

وقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله فلم يعطه ما سأل، بل أعطاه أداة العمل، ووجهة إليه، وقال: (( إرجع إلى لتنبئنى بحالك ) )0

فيجب حينئذ على ولى الأمر أن يساعد الناس على إيجاد أعمال لهم، ويهيئ لهم أسباب العمل، ويتعهدهم حتى تصلح حالهم0

فإذا كان دخل إنسان لا يكفيه، أو لم يجد عملا، أو كان غير قادر على العمل فهو في كفالة الدولة تمده بأسباب الحياة الضرورية التى بيناها0

أما المال الذى يلزم لذلك فيؤخذ من الزكاة التى جعلها الله في أموال الأغنياء حقا للفقراء، فإن لم تكف الزكاة لسد حاجات الفقراء أصبح فرضا على كل من عنده فضل من مال أن يعود به على الفقراء حتى يستوفوا حاجتهم0

فإذا منع الفقير حقه فله أن يقاتل عليه، لأن الله يأمر بمقاتلة الباغين: (( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفئ إلى أمر الله) ولا شك أن مانع الحق باغ0

فلما كفل الله عز وجل للفقير حقه، وأباح له القتال عليه، كانت العقوبة الهينة مفسدة للمجتمع ولا تتفق مع المسئوليات التى فرضها الله على الناس، فكان جزاء من سرق- بعد أن استوفى حقه- أن تقطع يده، وليس بعد ذلك توازن في الحقوق، والواجبات: (ومن أحسن من الله قيلا) 0

من مقال للأستاذ (( حسن الهضيبى ) )المرشد العام للإخوان المسلمين، بالعدد الرابع من السنة الأولى (( للمسلمون ) )0

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت