الصفحة 71 من 255

... ولعل من المفيد أن أسجل في هذه المذكرات بعض خواطر - حول التصوف والطرق في تاريخ الدعوة الإسلامية - تتناول نشأة التصوف وأثره وما صار إليه وكيف تكون هذه الطرق نافعة للمجتمع الإسلامى. وسوف لا أحاول الاستقصاء العلمى او التعمق في المعانى الاصطلاحية فإنما هى مذكرات تكتب عفو الخاطر فتسجل ما يتردد في الذهن وما تتحرك به المشاعر فإن تكن صوابا فمن الله ولله الحمد، وإن تكن غير ذلك فالخير أردت ولله الأمر من قبل ومن بعد 0

... حين اتسع عمران الدولة الإسلامية صدر القرن الأول، وكثرت فتوحها وأقبلت الدنيا على المسلمين من كان مكان، وحبيت إليهم ثمرات كل شىء، وكان خليفتهم بعد ذلك يقول للسحابة في كبد السماء: شرقى أو غربى فحيثما وقع قطرك جاءنى خراجه. وكان طبيعيا أن يقبلوا على هذه الدنيا يتمتعون بنعيمها ويتذوقون حلاوتها وخيراتها في اقتصاد أحيانا وفى إسراف أحيانا أخرى، وكان طبيعيا أمام هذا التحول الاجتماعى، من تقشف عصر النبوة الزاهر إلى لين الحياة ونضارتها فيما بعد ذلك، أن يقوم من الصالحين الاتقياء العلماء الفضلاء دعاة مؤثرون يزهدون الناس في متاع هذه الحياة الزائل، ويذكرونهم بما قد ينسونه من متاع الآخرة الباقى: (( وإن الدار الآخرة لهى الحيوان لو كانوا يعلمون ولو كانوا يعلمون ) )ومن أول هؤلاء الذين عرفت عنهم هذه الدعوة -الإمام الواعظ الجليل- الحسن البصرى، وتبعه على ذلك كثير من أضرابه الدعاة الصالحين، فكانت طائفة في الناس معروفة بهذه الدعوة إلى ذكر الله واليوم الآخر. والزهادة في الدنيا، وتربية النفوس على طاعة الله وتقواه 0

... وطرأ على هذه الحقائق ما طرأ على غيرها من حقائق المعارف الإسلامية، فاخذت صورة العلم الذى ينظم سلوك الإنسان ويرسم له طريقا من الحياة خاصا: مراحله الذكر والعبادة ومعرفة الله، ونهايته الوصول إلى الجنة ومرضاة الله0

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت