الصفحة 72 من 255

... وهذا القسم من علوم التصوف، وأسميه (( علوم التربية والسلوك ) )، لاشك أنه من لب الإسلام وصميمه، ولا شك أن الصوفية قد بلغوا به مرتبة من علاج النفوس ودوائها، والطب لها والرقى بها، لم يبلغ إليها غيرهم من المربين، ولاشك أنهم حملوا الناس بهذا الأسلوب على خطة عملية من حيث أداء فرائض الله واجتناب نواهيه، وصدق التوجيه إليه، وإن كان ذلك لم يخل من المبالغة في كثير من الأحيان تأثرا بروح العصور التى عاشت فيها هذه الدعوات: كالمبالغة في الصمت والجوع والسهر والعزلة.. ولذلك كله أصل في الدين يرد إليه، فالصمت أصلة الإعراض عن اللغو، والجوع أصله التطوع بالصوم والسهر أصله قيام الليل، والعزلة أصلها كف الأذى عن النفس ووجوب العناية بها 00 ولو وقف التطبيق العملى عند هذه الحدود التى رسمها الشارع لكان في ذلك كل الخير0

... ولكن فكرة الدعوة الصوفية لم تقف عند حد علم السلوك والتربية، ولو وقفت عند هذا الحد لكان خيرا لها وللناس، ولكنها جاوزت ذلك بعد العصور الأولى إلى تحليل الأذواق والمواجد، ومزج ذلك بعلوم الفلسفة والمنطق ومواريث الأمم الماضية وأفكارها، فخلطت بذلك الدين بما ليس منه، وفتحت الثغرات الواسعة لكل زنديق أو ملحد أو فاسد الرأى والعقيدة ليدخل من هذا الباب باسم التصوف والدعوة إلى الزهد والتقشف، والرغبة في الحصول على هذه النتائج الروحية الباهرة. وأصبح كل ما يكتب أو يقال في هذه الناحية يجب أن يكون محل نظر دقيق من الناظرين في دين الله والحريصين على صفائه ونقائه 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت