قال النسفي: ردوا إلى حكمه و جزاءه
(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (الرعد:41)
قال النسفي: ( الأرض ) ارض الكفرة ( ننقصها من أطرافها ) بما نفتح على المسلمين من بلادهم.
أقول: الحكم هنا إذن بمعنى الجزاء و العقاب بقرينة قوله بعد ذلك ( وهو سريع الحساب )
اجتماع المعاني
(وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ* فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ) (الأنبياء: 78-79)
قال النسفي: ( الحرث ) الزرع و الكرم ( نفشت ) دخلت ليلًا فأكلته و أفسدته ( وكنا لحكمهم ) أرادهما و المتحاكمين إليهما ( شاهدين ) بعلمنا و مرأى منا ( ففهمناها سليمان ) أي الحكومة أو الفتوى .
أقول: الحكم في الأولى بمعنى القضاء ( يحكمان في الحرث) أي يقضيان في قضية الزرع بين صاحب الزرع و بين القوم أصحاب الغنم .
الحكم في الثانية بمعنى العمل ( وكنا لحكمهم شاهدين) أي لعملهم عمل القوم أصحاب الغنم
الحكم في الثالثة بمعنى الحكمة ( و كلًا أتينا حكمًا و علما ) أي داوود و سليمان آتيناهما الحكمة و آتيناهما العلم و العلم هنا بمعنى النبوة أو الرسالة . (راجع معاني العلم ) .
الفصل الخامس عشر: في معنى السلطان
أولا: معاني السلطان في اللغة
1 _ السلطان بمعنى الحجة و البرهان
(هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) (الكهف:15)
2 _ السلطان بمعنى المعجزة الحسية
(وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ* فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ َجْنُونٌ) (الذاريات:38-39 )
قال صاح التنوير: ( سلطان مبين ) ما ظهر عليه من المعجزات الباهرة كالعصا و اليد البيضاء
3 _ السلطان بمعنى التحكم و التسلط
(وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) (الاسراء: من الآية33)
قال السيوطي: ( سلطانًا ) تسلطًا على القاتل
ثانيًا:المعاني السبعة في القران
1 _ معنى العلم
(وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) (النمل:20-21)
قال النسفي: ( سلطان ) حجة له فيها عذر ظاهر على غيبته
أقول: السلطان هنا بمعنى العلم والخبر و قد أتى الهدهد بذلك و هو خبر مملكة سبأ وذلك هو الذي دفع عنه العقوبة التي توعد بها سليمان و قد تحقق سليمان بعد ذلك من صدق الخبر
2 _معنى الإرادة و القصد
(فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ* إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) (النحل:98-100)
قال النسفي: ( سلطان ) تسلط وولاية .
أقول: إن الشيطان ليس له سلطان بمعنى التسلط والولاية على جنس الإنسان، مؤمنهم وكافرهم و لكن هذه الآية نفت السلطان عن المؤمنين خصوصًا و في ذلك إشارة إلى أن السلطان هنا بمعنى التقصد و الاستهداف فلهذا كان الأمر بالاستعاذة لكي ينصرف الشيطان فالسلطان هنا بمعنى الإرادة.
( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ* فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ* يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ) (الرحمن33ـ35)
أقول: السلطان هنا بمعنى الإرادة و الإذن الإلهي بقرينة ما بعده.
3 _معنى القوة
(وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا) (الإسراء:80)
قال السيوطي: ( سلطانًا نصيرا) قوة تنصرني بها
4 _ معنى العمل
(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) (الحج:71)
أقول: السلطان هنا بمعنى العمل ومن أشكاله الضرر و النفع .