الجزء الثاني
لفضيلة الأستاذ عبد الله المشد
عضو مجمع البحوث ورئيس لجنة الفتوى بالأزهر
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أفضل المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
فالدخان: نبات ظهر في الشرق في أوائل القرن الحادى عشر من الهجرة ومن أسمائه، التتن، والتبغ، والتنباك، وتنياكو، وطا بغى، طابه، ولما لم يكن ظهور هذا النبات، وأنواع المخدرات المختلفة من حشيش، وأفيون، وهيرويين، وكوكايين، وغيرها من المخدرات والسموم معروفة لا بعناصرها ولا بآثارها، لم ينزل بتحريمها نص صريح قاطع من كتاب الله أو سنة رسوله المتواترة. وبالتالي لم يرد في تناولها عقوبة مقدرة من الشارع غير أن علماء أصول الفقه والمجتهدين من علماء المسلمين قسموا الحرام إلى حرام لذاته وعينه وإلى حرام لغيره.
فأما الحرام لعينه: فهو ما كان بترك واجب أو فعل محرم، لأن ترك الواجب حرام كفعل المحرم.
والواجب: هو ما تحتم على المكلف فعله، وترتبت على تركه عقوبة شديدة، بدليل قطعي الثبوت من كتاب الله، وقطعي الدلالة، بمعنى أنه لا يحتمل غير الوجوب، كوجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج، وعبادة الله وحده، والوفاء بالعهود، العقود، والإحسان إلى الوالدين، لقول الله تعالى (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) ، (كتب عليكم الصيام) ، (ولله علي الناس حج البيت) ، (وقضي ربك ألا تعبدوا إلا إياه) ، (وأوفوا بالعهد) ، (أوفوا بالعقود) ، (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) ، (ووصينا الانسان بوالديه حسنا) .
والحرام بسبب فعل محرم هو: ما تحتم على المكلف تركه والنهي عن فعله، وترتب على فعله عقوبة شديدة، بدليل قطعي الثبوت من كتاب الله، وقطعى الدلالة، بمعنى أنه لا يحتمل غير التحريم، لما يترتب على فعله من مفاسد ومضار، كحرمة فعل الزنى، والسرقة، والربا، وشرب الخمر والدم، واكل لحم الميتة والخنزير، وقذف العفيفات، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، واكل أموال الناس بالباطل لقوله تعالى: (ولا تقربوا الزنا انه كان فاحشة) ، (والسارق والسارقة فاقطعوا أيدهما) ، (وأحل الله البيع وحرم الربا) ، (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) ، (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) ، (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم: ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا) ، (واجتنبوا قول الزور) ، (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل)
وأما الحرام لغيره فهو ما لم يرد نص صريح قاطع بتحريم عينه، ولكنه كان وسيلة للوقوع في محرم لعينه وذاته وذلك كالتدخين وتناول السموم الضارة بالنفس والعقل والمال، لأن الشارع أوجب المحافظة عليها وحمايتها، وحرم إتلافها، والاعتداء عليها، بقول النبي صلي الله عليه وسلم فيما رواه عنه سلمان:"الحلال ما أحله الله في كتابه والحرام ما حرمه في كتابه، وما سكت عنه فهو عفو لكم أي سماح (رواه الترمذي وابن ماجة) وما رواه أبو الدرداء عن النبي صلي الله عليه وسلم:"ما احل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فأقبلوا من الله عافيته فان الله، لم يكن لينسى شيئا"ثم تلا (وما كان ربك نسيا) (رواه البزار والحاكم وسنده صحيح) وما رواه أبو ثعلبة ورفعه إلى النبي صلي الله عليه وسلم"إن الله