فرض فرائض، وحد حدودا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا فيها (رواه البخارى ومسلم والدارقطني) .
وذلك أن مقاصد الشريعة التي خلقها هو أوجدها لعباده وأنزل الأحكام لحفظها وصيانتها، وحرم إتلافها والاعتداء عليها ثلاثة: ضرورات، وحاجات، وكماليات لتحقيق مصالحها.
والضرورات: هي التي تتوقف عليها حياة الناس ومصالحهم: بجلب النفع لهم ودفع الشر عنهم وإذا فقد واحد منها اختل نظام الحياة وعمت الفوضى والفساد وهي خمس: النفس، والعقل، والمال، والدين، والعرض، وقد وردت النصوص القاطعة بأهمية النفس، والعقل، والمال، ووجوب المحافظة عليها ودفع الضرر عنها وحرمة إتلافها أو الاعتداء عليها. ولهذا لما خلق الله هذه الضرورات واوجدها، شرع لها من الأحكام ما يحفظها ويصونها، ويمنع إتلافها والاعتداء عليها.
النفس هي الذات، أو الروح لقوله (ولا تقتلوا أنفسكم) وقد شرع الله لإيجادها الزواج للتناسل، وبقاء النوع، وشرع لحفظها اكتساب ما يقيها من مأكل ومشرب، وسكنى، وشرع لدفع الضرر عنها إيجاب القصاص، والدية، والكفارة، يقول الله تعالى (ولا تلقوا بأيدكم الي التهلكة) .. والتهلكة الهلك والإهلاك، والهلاك: العذاب والفقر، والخوف، يقول الله سبحانه وتعالى (وما يهلكون إلا أنفسهم) ذلك أن حياة الانسان الراقي عظيمة القيمة، تجب المحافظة عليها ولا يجوز إتلافها. تلك هي فطرة الانسان، وما قضت به الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، فجميعها عصمت دمه وحرمت قتله أو إيذاءه إلا لسبب يرجع إلى حماية المجتمع، ومنعت الاعتداء عليها، وفرضت على المعتدي عقوبات لردعه وزجر غيره. وبهذا يتقرر حقه في الحياة، وهو أهم الحقوق المقررة له وللوصول إلى أرقى انتاج، فعليه أن يعمل ليكون صحيح الجسم، والعقل، والسلوك، وقد حرم الشارع الاعتداء على النفس أيضا بقول الله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا) وفي الحديث"من تردى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم"ويقول في خطبة الوداع"إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، حتى تلقوا ربكم".
العقل عقلان: مطبوع ومسموع.
فالعقل المطبوع: هو القوة المتهيئة لقبول العلم والمعرفة، والعقل المسموع هو: العلم المستفاد بهذه القوة ولا ينفع مسموع إذا لم يك مطبوع. ويشير النبي صلي الله عليه وسلم إلى العقل المطبوع بقوله"ما خلق الله خلقا أكرم عليه من العقل""ويقول في العقل المسموع:"ما كسب أحد شيئا، أفضل من عقل يهديه إلى هدى، أو يرده عن ردى"ويقول الله تعالى: (وما يعقلها إلا العالمون) وإلى العمل المطبوع أشار الله بقوله: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين ان يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان انه كان ظلوما جهولا) والعقل بنوعيه هو الذي بحصوله يحصل الانسان على معرفة وجود الله ووحدانيته وقد جمل الله بالعقل الانسان، أرقى أنواع الحيوانات وأكرمها: (ولقد كرمنا بني آدم) . وقد استطاع الانسان بعقله أن يزيد في قوته، وفي علمه بأسرار الكون وخصائصه، وفي كشوفاته. واستطاع بعقله رؤية الكواكب ورصد حركاتها، وإدراك ما دق من الجراثيم وأنواعها، وأن يعالج نفسه مما يصيبه من ضعف ومرض، ولهذا تجب المحافظة عليه وصيانته ولا يجوز التفريط في ذلك، ولا الاعتداء عليه بما يتلفه، أو يضعف من قوته وإنتاجه. بشرب الدخان، وتعاطى السموم، من المخدرات بجميع أنواعها، فالعقل السليم في الجسم السليم، ولن ا يسلم الجسم بتعاطي هذه السموم."
المال وقد جعله الله عديل الأبناء في قوله (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) وامتن الله به على عباده، فقال: وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم اكثر نفيرا) أي أكثر عددا من الرجال، يفاخرون بالمال والبنين وحذر الله